08 ماي 2006
04 مارس 2006
19 فبراير 2006
حلم فوق بساط الريح - قصة: محمـــد فـــري
| حلم فوق بساط الريح وأخيرا حصل على شهادة الباكلوريا، أحس بسعادة عارمة، وشعر بارتياح كبير، وكأن ثقلا قد انزاح عن كاهله..عانى الكثير في السابق، وذاق مرارة الرسوب مرارا، وواجه اليأس وواجهه لحظات عديدة، لكن الكلمة الأخيرة كانت لإرادته وعزيمته.لم يكن كسولا أو بليدا، فقد استوعب المقرر بطوله وعرضه، وكرر استيعابه مرات ومرات بسبب تكرار السنوات، فأصبح مرجعا للتلاميذ الجدد، يستفتونه في معلومات مختلفة، فيجيبهم بإسهاب، ويحل مااستعصى عليهم.. مشكلته فقط أن الحظ لم يحالفه.. ولم يرد أن يلجأ إلى طرق الغش وفنونه التي برع فيها بعض أصحابه..وهنا يتذكر لجوء الكثير منهم إلى العنف.. ويبتسم عندما يستحضر ما قام به أحد زملاء عندما وضع سكينا على طاولة الامتحان، وعندما استفسرته المراقبة عن ذلك أجابها بأن الأمر لا يتعلق بسكين بل بمسطرة فقط، يستعين بها في وضع الخطوط، فلم تملك المسكينة إلا الانسحاب والإفلات بجلدها.. يطرد من ذاكرته صورا أخرى مشابهة .. هو يريد أن يفوز في الامتحان باجتهاده وعرق جبينه.. ربما لأنه لم يجرب الغش يوما .. وربما لأنه يريد أن يشعر بقيمة النجاح ولذة تحقيقه.صبر كثيرا.. ولم ييأس.. وانتظر حظه.. فزاره حظه في الأخير.. ونجح في امتحان الباكلوريا.أحس أن أبواب السماء قد فتحت.. وفتحت معها أبواب الدراسات العليا بالمعاهد والكليات، وما عليه إلا أن يختار.. الطب مهنة راقية.. ومستقبلها زاهر.. فبضاعتها رائجة، والأمراض منتشرة والحمد لله، وكل الأطباء مياسير. حقيقة سيبذل جهدا خلال الدراسة، لكن مستقبل المهنة مضمون. ثم إن الاختيارات عديدة.. فالهندسة أيضا مهنة يحترمها الجميع، ودور المهندس في المجتمع مهم، ولقب " مهندس " له سحره وبريقه..وكذلك لقب أستاذ، لكن هو لا يفضل التعليم، فمردوديته المادية غير مريحة، وجميع المدرسين يشتكون، إذن فليختر القانون، لأن مجاله واسع وفسيح، قد يكون قاضيا يحسب له ألف حساب، وينعم بحياة ميسرة، جميع القضاة الذين يعرفهم يقطنون أحياء راقية، فليتوكل على الله، ويقتحم سلك القانون.. ثم هناك المحاماة، فالمحامي رجل مهم أيضا، يجلجل صوته في ساحات المحاكم، والمشاكل متوفرة لا تنتهي.. إذن فبضاعة المهنة غير كاسدة.ابتسم مستسلما لأحلامه.. واحتارفي الميدان الذي سيختار.. المجالات متسعة إذن.. والمستقبل زاهر والحمد لله.. وشهادة الباكلوريا بجيبه جواز سفر.. يرحل به حيثما يريد، وما عليه إلا أن يوجه الدفة.. وباسم الله مجراها ومرساها.وابتدأ الجري.. أو بالأحرى التحليق.. تسلح بنسخ عديدة من شهادة الباكلوريا.. ولم ينس أن يصادق عليها من طرف ولاة الأمر " بمقاطعة " الحي.. وهيأ رزما من عقود الازدياد وشهادات السكنى والحياة وأوراقا مختلفة منها المتنبرة والمدموغة وما وقعها " المقدم " و" الشيخ " والقايد.....ملف ثقيل مكتمل يشفع له بولوج الكلية التي ارتضاها حلمه.امتطى شهادته كبساط الريح.. وطار بها محلقا ينشد الهبوط في المكان المناسب.. حط به التجوال بمدرج الكلية الأولى.. وتخيل المسؤولين يستقبلونه بحفاوة.. ولاحظ طوابير مصفوفة متراصة.. اعتقد أنها جمهور المستقبلين.. فإذا به يكتشف وجوها كالحة أضناها طول الانتظار.. يحمل أصحابها ما يشبه ملفه الثقيل.. بها شهادة تشبه شهادته.. وأيقن أنهم " ناجحون " مثله، ينتظرون فتح الأبواب.. لم يصدق الأمر.. وبعد تردد حاول الانحشار معهم.. لكن الزحام كان شديدا، ومع ذلك صبر وانتظر دوره، فقد ألف رفقة الصبر منذ زمن.. وبعد مدة أتى دوره.. أطلوا عليه من الشباك.. وتأملوا أوراقه.. ثم قالوا له" متأسفون، ملفك تنقصه أوراق مهمة نسي أن يوفرها..أوْ لم يكن بمقدوره أن يتوفر عليها.. وعليه أن يبحث عن كلية تتناسب مع إمكانيات ملفه.." وارتأى أن يحلق من جديد ليحط بمعهد آخر.. فلقي نفس الرد.. ولم ييأس.. وحلق مرة ثالثة ورابعة و.. و.. ونفذ وقوده.. ولم ينتبه لمقدار الزمن الذي استغرقه التحليق والطيران..ثم قام بآخر محاولة.. دق بعد جهد باب المطار/الكلية..ولم يطلوا عليه من الشباك هذه المرة.. بل أدخلوه من الباب.. وأجلسوه على الكرسي.. وتفحصوا أوراقه مليا.. ثم أعادوا له الملف والأسف على وجوههم- غير مقبولة- لماذا؟- انتهت مدة صلاحية الشهادة.......- ؟؟؟ !!!! - عليك اجتياز امتحان آخر للباكلوريا من جديد !! محمــــد فــــري |
البذلة المسحورة ل: دينو بوزاتي - ترجمة: محمـــد فـــري
البذلة المسحورة للكاتب الإيطالي دينو بوزاتي ترجمة محمـــد فــــري ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رغم إعجابي بأناقة اللباس، فإنني عادة لم أكن أعير أدنى اهتمام للجودة الكبيرة أو الصغيرة التي فصلت بها بذل الناس، ومع ذلك تعرفت ذات مساء في حفل أقيم بمنزل ب ” ميلانو “، على شخص في الأربعين، يتألق بسبب الروعة التناسبية الخالصة والمطلقة للباسه. لم أكن أعرفه، التقيته للمرة الأولى عن طريق التقديم كما يحدث عادة، وكان من المستحيل علي معرفة اسمه، لكن في لحظة معينة من السهرة، وجدت نفسي قريبا منه، فبدأنا نتجاذب أطراف الحديث. كان يظهر رجلا مهذبا وجد مؤنس، ومع ذلك تشوبه مسحة من الحزن، وبألفة ربما مبالغ فيها – تمنيت لو جنبني الله إياها – أثنيت على أناقته، بل تجرأت فسألته من يكون خياطه الخاص. افتر ثغره عن ابتسامة صغيرة فضولية، وكأنه كان يتوقع هذا السؤال، رد قائلا:” لا أحد يعرفه تقريبا، ومع ذلك هو خياط ماهر كبير، لكنه لا يشتغل إلا عندما يروق له ذلك، ولزبائن محدودين فقط.” - من أمثالي….؟ - أوه ! يمكنك أن تحاول، يمكنك دائما، اسمه كورتشيلا، ألفونسو كورتشيلا. 17 شارع فيرارا. - أتخيل أثمانه باهظة. - أعتقد، نعم، لكن الحق يقال، لا أعرف شيئا. لقد خاط لي هذه البذلة منذ ثلاث سنوات، ولم يبعث لي بأتعابه بعد. - قلتَ كورتيتشيلا؟ 17 شارع فيرارا؟ - ” تماما ” أجاب الغريب، ثم تركني ليختلط بجماعة أخرى. بالرقم 17 من شارع ” فيرارا “، وجدت منزلا لا يختلف عن غيره، وكان محل ” ألفونسو كورتشيلا ” شبيها بمحلات الخياطين الآخرين، فتح لي الباب بنفسه. كان شيخا قصير القامة، ذا شعر أسود مصبوغ دون شك. ولدهشتي الكبيرة لم أجد معه أية صعوبة، بل ظهر على النقيض راغبا في أن يراني زبونا له، شرحت له كيف حصلت على عنوانه، وأظهرت إعجابي بتفصيلة ثوبه، وطلبت أن يخيط لي منها بذلة، اخترنا ثوبا صوفيا ناعما، ثم أخذ مقاساتي وعرض علي أن يكمل القياس عندي بالمنزل. سألته عن الثمن، فأجابني بأن الأمر ليس مستعجلا، وأننا سنتفق دائما. في البداية قلت مع نفسي ياله من رجل لطيف، لكنني بعد ذلك، شعرت عند عودتي إلى البيت، أن العجوز القصير قد ترك لدي نوعا من الضيق والانزعاج ( لعله بسبب ابتساماته الملحة والمبالغ في عذوبتها )، على العموم لم تكن لدي رغبة في رؤيته من جديد، لكن البذلة قد تم طلبها منذ الآن، وستصبح جاهزة بعد حوالي عشرين يوما. وعندما تم تسليمها لي، قستها لبضع ثوان أمام المرآة، كانت عبارة عن تحفة، لكنني لم أكن أعرف سبب عدم رغبتي في ارتدائها، ربما كان ذلك بسبب تذكري للعجوز الكريه. ومرت عدة أسابيع قبل أن أتعود على الأمر. ظل ذلك اليوم راسخا بذاكرتي، كان يوم ثلاثاء من شهر أبريل، وكان الجو ممطرا، وعندما ارتديت البذلة – السروال والصدرية والسترة – أدركت بمتعة أنها لا تضايقني مثلما يحدث مع الألبسة الجديدة، وعلى كل حال، فقد كانت في غاية الإتقان. عادة لا أضع شيئا في الجيب الأيمن لسترتي، بل أضع أوراقي في الجيب الأيسر، وهذا ما يفسر إدراكي لوجود ورقة بالداخل عند إدخالي يدي لجيبي بعد ساعتين في مكتبي، لعلها ورقة حساب الخياط؟ لا، كانت ورقة مالية من فئة عشرة آلاف ليرة. ظللت مشدوها، لم أكن أنا طبعا من وضعها هناك، من جهة أخرى كان من العبث التفكير في مزحة قام بها الخياط “كورتشيلا ” ، أو في هدية من طرف الخادمة، وهي الوحيدة التي سنحت لها فرصة الاقتراب من البذلة بعد الخياط، هل هي ورقة بنكية مزيفة؟ عكستها على الضوء وقارنتها مع غيرها فوجدتها صحيحة، ويستحيل أن تكون غير ذلك. قد يكون التفسير الوحيد هو عدم انتباه من ” كورتشيلا “، فلربما قد منحه زبون عربونا، فوضعه في جيب سترتي التي كانت معلقة، وهذه أشياء ممكنة الوقوع. قرعت الجرس مناديا السكرتيرة، كنت عازما على إرسال كلمة ” لكورتشيلا ” لأعيد له ماله الذي ليس من حقي. لكنني في هذه اللحظة بالذات، ولا أعرف لماذا، أدخلت يدي إلى جيبي من جديد. ” ما بك سيدي؟ هل تشعر بوعكة؟ ” سألتني السكرتيرة التي دخلت توا.كنت شاحبا كالميت، فقد لامست أصابعي بجيبي أطراف ورقة لم تكن موجودة قبل لحظات. قلت: -” لا، لا، لاشيء، دوخة خفيفة، يحدث لي ذلك منذ مدة، هو تعب دون شك، يمكنك أن تنصرفي يا صغيرتي، كنت سأملي عليك رسالة، لكننا سنفعل ذلك فيما بعد ” ولم تكد السكرتيرة تنصرف حتى أخرجت الورقة من جيبي، كانت ورقة مالية أخرى من فئة عشرة آلاف ليرة، بعدها قمت بمحاولة ثالثة، وأخرجت ورقة ثالثة. بدأ قلبي يخفق بشدة، أحسست أنني منجذب ، لأسباب خفية، داخل دائرة حكاية خرافية شبيهة بتلك التي نحكيها للأطفال ولا يصدقها أحد. وبحجة شعوري بالتعب، غادرت مكتبي وتوجهت إلى منزلي، كنت بحاجة إلى أن أكون وحيدا. من حسن الحظ كانت الخادمة قد غادرت البيت. أقفلت الأبواب وأسدلت الستائر، وبدأت في استخراج الأوراق المالية بكل ما أملك من سرعة، الواحدة تلو الأخرى، من الجيب الذي يبدو لا ينضب. كنت أقوم بذلك بتوتر وتشنج عصبي خوفا من انتهاء المعجزة بين لحظة وأخرى، تمنيت أن استمر العشية كلها، والليل بأكمله إلى أن أجمع الملايير، لكنني في لحظة معينة أحسست بقواي تنهار. كانت أمامي كومة مثيرة من الأوراق المالية، وكان المهم الآن أن أخفيها، حتى لا يراها أحد. أفرغت صندوقا قديما كان مليئا بالزرابي، وفي قعره وضعت حزم الأوراق المالية التي كنت أحصيها بالتتابع، والتي تجاوزت الخمسين مليونا. عندما استيقظت صباح الغد، كانت الخادمة واقفة مندهشة لرؤيتي بكامل بذلتي في الفراش، تكلفت ضحكة وأنا أشرح لها بأني بالغت في الشرب الليلة السابقة، وأن النوم غلبني دون أن أشعر.أحسست بقلق جديد عندما اقترحت علي الخادمة مساعدتي على خلع سترتي، كي تمرر عليها الفرشاة على الأقل. أجبت بأن علي أن أخرج بسرعة، وليس لدي وقت لتغيير بذلتي. ثم أسرعت متوجها نحو محل لبيع الملابس الجاهزة لشراء بذلة أخرى تشبه بذلتي في كل شيء، وسأترك البذلة الجديدة للخادمة، أما بذلتي، تلك التي جعلت مني في بضعة أيام أحد أقوى الأشخاص في العالم، فسأخفيها في مكان آمن. لا أدري إن كنت أعيش حلما، أو كنت سعيدا، أو كنت على النقيض أختنق تحت ثقل مصير كبير وعنيف. في الطريق، ومن خلال معطفي الواقي، كنت أتحسس باستمرار مكان الجيب السحري، وفي كل مرة أتنهد بارتياح، فقد كان صوت الورقة المالية يجيبني باستمرار. غير أن مصادفة أخرى أثلجت حمى فرحي، ففي جرائد الصباح عناوين كبيرة: الإعلان عن سرقة حدثت بالمساء يغطي كل الصفحة الأولى تقريبا، سيارة بنكية مصفحة جمعت رصيد النهار، وتوجهت إلى البنك المركزي، فتم إيقافها وسرقتها من طرف أربعة لصوص بشارع ” بالمانوفا “، وعندما سارع الناس إليهم، أطلق أحدهم النار ليؤمن هروبه، فأصابت رصاصة أحد المارة وأردته قتيلا. لكن ما أثارني فعلا هو المبلغ المسروق: فقد كان خمسين مليونا بالتمام والكمال ( نفس المقدار الذي بحوزتي ). هل يمكن وجود علاقة بين ثروتي المفاجئة وبين حدث السرقة الذي وقع في نفس الوقت؟ يبدو التفكير في ذلك مضحكا، وأنا لست متشائما، ومع ذلك فقد تركني الأمر في حيرة. كلما ازدادت ملكيتنا كلما رغبنا فيما هو أكثر. كنت فعلا غنيا مقارنة مع حياتي المتواضعة، لكن سراب حياة أكثر رفاهية كان يغريني، وفي المساء نفسه، استأنفت العمل، كنت أمارسه الآن بثقة أكثر، وبأعصاب أكثر استرخاء، فتنضاف مئة وخمسة وثلاثون مليونا إلى الثروة السابقة. لم أستطع إغماض عيني تلك الليلة، هل هو إحساس بالخطر؟ أو تأنيب ضمير رجل يقتني ثروة غير مشروعة؟ أو إحساس غامض بالذنب؟ وفي الساعات الأولى من الفجر، قفزت من فراشي، وارتديت ملابسي ثم أسرعت باحثا عن الجريدة، أحسست بالاختناق في أثناء القراءة: حريق مروع بسبب انفجار خزان بترول هدم عمارة بشارع ” سان كلورو” في وسط المدينة، وبالمقابل حطم خزائن وكالة عقارية كبرى تلاشى بداخلها أكثر من مئة وثلاثين مليونا نقدا، وقتل شخصين من رجال المطافيء عند محاربة الحريق. هل علي أن أعد جرائمي الواحدة تلو الأخرى؟ نعم، فانطلاقا من هذه اللحظة أدركت أن المال الذي تمنحه لي السترة مصدره الجريمة، الدم، اليأس، الموت، مصدره الجحيم. لكن، وبطريقة ماكرة، رفض عقلي مستهزئا الاعتراف بأية مسؤولية من طرفي، وهكذا عادت الإثارة، وعادت يدي - وما أسهل الأمر – تندس في جيبي لتعانق أصابعي بتلذذ مفاجيء زوايا ورقة مالية جديدة دائما، المال، المال الرباني. ودون أن أرحل من منزلي القديم ( كي لا أثير الشكوك )، اشتريت في وقت سريع قصرا فخما، وامتلكت مجموعة من اللوحات النادرة، وركبت سيارة فاخرة، بعد أن غادرت عملي” لأسباب صحية “. سافرت وتجولت في أرجاء العالم رفقة نساء حسناوات. كنت أعلم كلما جلبت مالا من سترتي، أن شيئا كريها ومؤلما يحدث في العالم ، لكن هذا التزامن كان مبهما، لم يكن يستند إلى حجج منطقية، وعند كل تحصيل كان ضميري يتضاءل، ويتصف بالنذالة أكثر فأكثر. والخياط؟ هاتفته لأسأله عن ثمن البذلة، فلم يجبني أحد. وبشارع ” فيرارا ” أخبروني أنه هاجر ورحل إلى الخارج، ولا يعرف أحد أين. كل الأشياء تحالفت فيما بينها لتؤكد لي دون أن أعرف أنني تحالفت مع الشيطان. استمر الأمر على هذه الحال إلى اليوم الذي تم فيه اكتشاف جثة امرأة عجوز في الستين من عمرها بالعمارة التي أقطنها منذ سنوات طويلة ، كانت قد انتحرت اختناقا بالغاز لأنها فقدت ثلاثين ألف ليرة، هي حصيلة معاشها الذي توصلت به ذلك اليوم..( وانتهى بين يدي ). كفى ! كفى ! يجب أن أتخلص من سترتي حتى لاأسقط أكثر في هذه الهوة، لكن دون أن أتخلى عنها لشخص آخر، لأن العار سيستمر( فمن يقدر على مقاومة كل هذا الإغراء؟ )، علي إذن أن أحطمها. وصلت بسيارتي إلى وادي مهجور بمنطقة ” الألب “، تركت سيارتي على أرض معشوشبة، وتوجهت نحو الغابة، كان المكان مقفرا، وعندما تجاوزت البلدة وصلت إلى منطقة حجرية، وهناك بين صخرتين ضخمتين، أخرجت البذلة الكريهة من الكيس، بللتها بالبنزين ثم أشعلت فيها النار، وبعد ثوان لم يتبق منها سوى الرماد. لكن، وعند آخر شعلة من اللهب، سمعت خلفي – على بعد مترين أو ثلاثة – صوتا بشريا يصيح:” تأخرت، تأخرت “، وبفزع التفت بعنف كأن أفعى لدغتني، لكنني لم أجد أحدا، بحثت في جميع الجهات، من صخرة إلى أخرى لأكشف عن اللعين الذي يلعب معي هذه اللعبة، فلم أجد أحدا،لم تكن هناك غير الصخور. ورغم الفزع الذي استشعرته، نزلت إلى الوادي وإحساس بالارتياح يغمرني، ها أنا قد تحررت أخيرا، وأملك ثروة طائلة. لكن عند المنحدر، لم أجد السيارة، وعندما رجعت إلى المدينة وجدت القصر قد اختفى، وبمكانه أرض مهملة بها لافتة تعلن عن أرض للبيع. وحساباتي بالبنك، لم أفهم كيف انقرضت بسرعة، وأسهمي الكثيرة اختفت من خزائني الحديدية العديدة، ولم أجد إلا الغبار داخل الصندوق القديم. منذ ذلك الوقت استأنفت عملي منهكا، والغريب أن لا أحد فوجيء بإفلاسي السريع. وأعلم أن الأمر لم ينته بعد، أعلم أنه في يوم ما، سيدق جرس الباب، وسأفتحه لأجد أمامي هذا الخياط الشقي بابتسامته الماكرة، يطلب مني تسديد دين البذلة. دينو بوزاتي Dino Buzzati. ( Le Veston ensorcelé ) Traduit par J.Remillet,Robert Laffont,1967 |
مشكلته امرأة
| القصة هذه المرة ليست لي..بل هي لسارد آخر، قال إنه قرأها قديما، منذ عهد مراهقته..ولا يتذكر أين، كل ما يعرفه أنه اطلع عليها في مجلة فرنسية نسي اسمها بدورها..وأنا بدوري أنقلها عنه كما حكاها لي..لا فضل لي فيها إلا جملا وعبارات وصياغة نمقتها كيفما اتفق لتناسب موضوع النص ورهانه..وبذلك أنفي عني كل تهمة بالانتحال أو..السرقة..فالعهدة على السارد الأول..وما أنا إلا سارد ثان مسخر لقلم كاتب معين..قال لي ساردي الأول: " مشكلته امرأة.. ظل طيلة حياته يبحث عنها .. امرأة ترافقه وتنعش وحدته..يأنس لها وتأنس له..تشاركه همومه وأحزانه..وتقتسم معه أفراحه ومسراته.جرب مرات عديدة أن يقترب من امرأة، ويربط علاقة صداقة على الأقل..غير أن الفشل كان دائما حليفه..لا يتذكر امرأة حام حولها إلا واختصرت حديثها معه وابتعدت .. خيل إليه أنه كلب أجرب يدعو إلى النفور.استعان بجميع الوسائل.. قرأ جل الروايات العاطفية.. وشاهد جل الأفلام الغرامية .. واستفاد من جميع النصائح التي قدمها له أصدقاؤه.. خصوصا أصحاب الباع الطويل في الميدان..قلد جميع طرقهم..واتبع أدق مناهجهم، لكن النتيجة بقيت ثابتة دائما.. تساءل كثيرا عن أسباب هذا الفشل..فلم يعثر على جواب شاف.. منصبه محترم.. يحسده عليه الكثير..وهو ودود مع الجميع.. لطيف المعشر.. يتأنق في حواره..ويختار كلماته وعباراته عند كل حديث..لبق لطيف.. لايخلو حديثه من أبيات شعرية غزلية رقيقة.. كل رفاقه يثنون عليه.. ويتحلقون حوله خصوصا على طاولات المقاهي.. حيث يسخو جيبه..ويفيض كرمه..لذا كثر الأصدقاء دون الصديقات.. والرفقاء دون الرفيقات .. ولم تعره إحداهن اهتماما.أصدقاؤه ناجحون في علاقاتهم النسائية..وأغلبهم متزوجون سعداء بزوجاتهم.. أما هو..فيكتفي بمراقبتهم وغبطتهم.. ألف الفشل وتحالف معه.. بل ربط معه علاقة وثيقة.حقيقة أنه يفتقر إلى الوسامة.. وكثيرا ما التقطت أذناه لفظة البشاعة.. وصفة بشع.. يحملها الهواء إليه من تعريضات البعض وتلميحاتهم.. لكن ذلك لم يكن يهمه.. واعتبره غيرة وحسدا.. فمكانته الإدارية المرموقة تثير حقد الكثيرين.. ثم..إن جمال الرجل أخلاقه.. و.. ما يملكه.. ذاك ما يحدد مكانته الاجتماعية.. والحمد لله هو لا يشكو من هذا الجانب.. وماذا يريد النساء أكثر من ذلك؟يعرف أصدقاء كثيرين لهم زوجات جميلات.. يغبطهم على حياتهم السعيدة الهادئة.. فليته يسعد يوما ما.. ويوفق إلى بنت الحلال !!لكن !.. ما العمل؟.. العين بصيرة واليد... فارغة من كف ناعمة تضغط عليها بحنان.. فليعانق وحدته.. وليستسلم لقدره وصبره.. والله مع الصابرين .. وهو مؤمن بمصيره.. والمؤمن مصاب... ولن يفوز إلا الصابرون !.. ثم إن للحظ أحواله..فقد يأتي ما لم يكن في الحسبان.وأتى ما لم يكن في الحسبان.. ولعب الحظ لعبته..فهاهي فتاة جميلة تثير انتباهه.. كانت سعادته صاعقة عندما اكتشف اهتمامها به.. كانت تمر أمام مكتبه بالإدارة.. فترمي ببصرها إليه وهي مستمرة في سيرها.. حقا.. لا بد أنها نظرة لها معنى.. فالأمر ليس مألوفا لديه.. فالنظرات كانت تقتحمه دون أن تثبت فيه.. ونظرة هذه الحسناء طويلة وثابتة.. فهل غمزت الصنارة.. ووُفق إلى ضالته؟توكل على الله.. واستجمع كل جرأته، وقرر أن يواجه الأمر بحزم .. فالمسألة فرصة نادرة.. والفرص لا تتكرر.. وعليه اقتناصها قبل فوات الأوان..وكاد أن يصعق أكثر عندما استجابت بسهولة لرغبته في التعرف عليها.. اكتشف أن بها أضعاف لهفته !! .. ولولا تماسكه لطار لبه وفقد رشده.. أخيرا وجد امرأة.لم يصدق نفسه وهي تستدعيه إلى فنجان بالمقهى المجاور.. فقبل الدعوة دون تردد.. وتعددت الفناجين.. وتعددت الجلسات..وكثر الحديث بينهما.. وتعددت جوانبه.. وكان يجد متعة في أسئلتها الكثيرة التي لا تنتهي.. وكلها تتعلق بأحواله وأموره.. العامة منها والخاصة..واعتبر ذلك اهتماما فائقا به من جانبها.. خصوصا وأنها تدون كل ذلك في دفتر أنيق لا يفارقها كلما كانت معه.. هو مهم إذن بالنسبة إليها.. إلى درجة أن جل أقواله تستحق التسجيل من طرفها.. وهي ضالته المنشودة التي طال بحثه عنها.. وأخيرا اهتدى إليها .. أو اهتدت إليه..لا يهم.. يكفي أنه استعاد ثقته بنفسه..وأيقن أنه مثل جميع الرجال..والفضل يعود إليها.. لم يهمه أن يعرف عنها الكثير.. سمع منها فقط أنها طالبة بكلية الآداب، شعبة علم النفس.. وأنها تعد أطروحة هذه السنة..وهو لا يريد أكثر من ذلك.. يكفيه أنها فتاة جميلة وأنيقة في كل شيء.. حتى في أسئلتها التي تمطره بها.. ما أحلى أسئلتها التي تتعقب كل دقائقه.. وما أعذب صوتها وهي تبحث في أموره الخاصة.. مشاعره.. أحاسيسه.. انفعالاته..هي إذن فتاة مثقفة.. والمثقفون من عادتهم التدقيق في الأمور.. وهي تدقق لأنها ستبني سعادته معها.. وهو أمر طبيعي.استسلم للأحلام الوردية.. وانشغل بفتاته.. ونسي كل شيء.. والحقيقة أنه لم يكن هناك شيء يستدعي أن ينساه.. فدماغه كان مشغولا دائما بالبحث عن امرأة.. وها هي امرأة في أجمل صورة..مرت بضعة أيام.. وارتاح للزمن وهو يدور دورته معها..وذات مرة وهما بالمطعم الذي اعتادا تناول الطعام به..اضطرت فتاته أن تقوم لإصلاح زينتها بعد انتهاء الوجبة..وبقي وحيدا على المائدة.. يواجهه دفترها الأنيق الذي تركته.. لعلها نسيته.. أو لم تنتبه إليه.. فقد كانت حريصة على وضعه في حقيبتها بعد انتهاء كل حوار.. وفكر أن يتناوله ليعيده إليها بعد عودتها.. امتدت يده إلى الدفتر.. وتاقت نفسه أن يستغل ظرف غيابها ليتصفح بعض عبارات المديح والإطراء.. وربما يجد غزلا وهياما.. وجملا تفيض بالحب والوله..و.. حدثت المفاجأة الثانية.. وكانت القاضية.. لأن الأولى كادت تفقده أعصابه فقط عندما أقبلت عليه فتاته..هوت أحلامه كصخور تتدحرج من أعلى.. وتشنجت أصابعه على الصفحة الأولى.. وقد كتب عليها بالخط العريض: البشـــاعة والاكتئـــاب حالة نموذجيـــــة أطروحة لنيل شهادة الماجستير شعبة علم النفس للطالبة:فـــلانـــة ( ضع أي اسم مناسب ) ــــــــــــــــــــــــــــ نقلها عن السارد: |
الكاتب النحرير -
| الكاتب النحرير يعرفه أغلب القراء، فهو الكاتب النحرير، صاحب القلم الخطير، يكتب في كل شيء، في القصة والشعر والنقد، قصاص وشاعر وناقد، موسوعة متحركة، شجرة عجيبة أثقلتها مختلف الثمار، ما أن تهب عليها الريح وتحرك أغصانها حتى يتساقط منها محصول وفير، ومحصوله ما ينتجه من كلام، كلام غزير ووفير، يودعه مختلف الصحف والمجلات، والمواقع الرقمية والمنتديات، حتى لقبه البعض بصاحب اللسان المتعدد الطلقات، وتمادى بعض الخبثاء فاعتبروا كتابته إسهالا لا ينقطع، وكلامه نهرا جاريا لا منبع له ولا مصب.والحقيقة أن كتابته من النوع الذي يمكن اعتباره دائريا، لا تعرف بدايتها من نهايتها، تتعدد مواضيعها، وتتناول كل شيء، يتحدث في الأدب والسياسة والاقتصاد، ولا بأس أن يتناول أحيانا ما يتعلق بقضايا العلم والاختراع، بل يتجاوز ذلك فيبحث في الغيبيات والشعوذة والسحر... جميع المواضيع مفتوحة أمامه، وحتى إذا صدت أبوابها، فبالإمكان النفاذ إليها من النوافذ،فيسبر أغوارها، ويكشف أسرارها.أما أفضل أوقاته، فتلك التي يجلس فيها أمام مكروفون الإذاعة، أو كاميرا التلفزة، حيث يرتدي أبهى ملابسه، ويعتدل في جلسته ليطلق العنان للسانه ، ويفتح باب الإسهال الكلامي، وغالبا ما يتعب معه المذيع صاحب البرنامج، بسبب جريه وراءه في محاولة مستمرة لرده إلى جادة الطريق.الكل يعرف خطورته الكلامية، ولا أحد يجازف بنفسه فيناقشه أو يجادله، لأنه كالماء يتسرب من الأصابع، كلما أغلق عليه باب فتح بابا آخر يسيل منه كلامه، خصوصا وأن له تجربة كبيرة في مجال الخطب الرنانة التي تستعيها المناسبات، وما أكثر المناسبات التي ينحشر فيها، يقرع البيان بالبيان، والحجة بالحجة، ولايهم إن كان يؤمن بالفكرة، فالغاية هي الاستحواذ على السامع، وإقفال الأبواب على الخصم.ولم ينس وهو الأديب المتعدد الوجوه، أن ينحشر مع الكتاب في نقاباتهم و مؤسساتهم، ويتخذ مكانه في صدارتهم، فخاض معهم المعارك، وشاركهم الصراعات والملاسنات، والتي اعتبرها الظرفاء حروب ديكة، يتعالى فيها الصياح، ويتناثر فيها الريش بمختلف أشكاله وألوانه. هو يعرف ما يقوله عنه خصومه، ويستوعب جيدا ما يلمحون به، لكن ذلك لا يهمه، فهم أناس غيورون ينهشهم الحقد والحسد، ومكانته الأدبية يحسد عليها فعلا، فعلى الأقل شارك في مؤتمرات عديدة، وجاب أقطارا كثيرة، مثل فيها الأدب والأدباء، وتحدث بلسان حالهم في غيابهم، وتمتع بالولائم الشهية، وغرف الفنادق البهية، ذات الأفرشة الوثيرة، والتجهيزات المريحة الوفيرة، والبركة في كل ذلك للسانه اللولبي الذي يغرف من بحر لا تكدره الدلاء.ما أحلى الجلوس إذن في ردهات المؤتمرات بالفنادق الفاخرة، يتبادل الحديث مع الجميع، وفي نفس الوقت يتبادل كؤوسا متعددة، امتلأت بسوائل مختلفة المذاق، متعددة الألوان، تعقبها أطباق صفت عليها أشهى الأطعمة، وأطيب الأكل وألذه، يختار منها ما يمتع البصر والبطن، فها هي اللحوم طرية، والخضر بهية، والفواكه الندية، والحلويات ذات أشكال وألوان، وما عليه إلا أن يمد يده وسط الطابور، فيقتني ما يقتني ليضعه في طبقه، ولا بأس إن أضاف كمية أكثر مما تتطلبه بطنه، فالعين تشتهي أيضا، ولها أحكامها الخاصة.متعة نالها إذن في جولات عديدة، وعواصم مختلفة، والبركة في اتحاد الكتاب ، ومؤتمراته الخصبة، ولم يخسر إلا كلمات يلقيها هنا وهناك، فيصفق الحاضرون، وعلى الدنيا السلام.ما أحسن إطلاق العنان للسان، في منبر جميل الشكل، وقاعة شاسعة الأرجاء، مكيفة الهواء، تناثر فيها حضور استعد للمناسبة، وتهيأ للهتاف الذي يخفي بعض الأصوات المشاكسة الحقودة.. خصوصا في المناسبات التي تستدعي تغيير اللجان، وتبديل الأعضاء، فللطبخات هنا دورها الكبير، وهو من هواة الطبخ، وله فيه شهادات كثيرة، دعمها كثير من أمثاله الطباخين.. وعلى ذكر الطبخ، فإن أحسن الأوقات لديه هي عندما يفيض لسانه بخطبة رنانة، ومعدته مليئة بكوكتيل من الطعام، فينطلق إسهال الكلام، في هجوم كاسح، وتعبير جارح، والويل لمن يعترض الطريق، وكأن لسانه يستمد قوته من ضخامة بطنه، فيختلط الحابل بالنابل، وقديما قيل " البطنة تذهب الفطنة ".غير أن الإسهال الكلامي هذه المرة ، واجهه إسهال من نوع آخر لم يكن يتوقعه، فما أن اعتلى الكاتب النحرير، صهوة المنبر الوثير، وأطلق للسانه العنان، حتى أحس بأصوات تتصارع في بطنه، فاختلط صوت اللسان مع صوت المعدة، وسرعان ما أحس بوجع يتجول بأمعائه، ينذره بخروج ما يجب أن يخرج دون تأخير أو تماطل، وأيقن أنه الإسهال اللعين، وهو الحقيقي هذه المرة، فحاول التحكم في الأمر، وجرب أن يتماسك، لكن هيهات، فالمسألة فوق المستطاع، وتبا للإسهال الكلامي أمام إسهال المعدة، فلم يملك إلا أن ينزل من المنبر، ويتجه مسرعا نحو المرحاض، وأوراق الخطبة بيده، علها تساعده في هذا الظرف الحرج. محمــد فــري |
كــــــــــــؤوس
كــــؤوس - محمـــد فــــري
دلف إلى الحانة بسرعة، وكأنه يتملص من ملاحقة مجهولة تثقل كاهله، اتجه كآلة مبرمجة نحو البارمان، رمى بثقله على حافة الكونطوار، اتكأ بذراعه وطلب كأس نبيذ أحمر قان هي افتتاح لزمن لا يستطيع التكهن بنهايته. تلك كانت……..الكأس الأولى،سكب محتواها في جوفه دفعة واحدة، هذا النوع من الخمر الرخيص لا يستساغ تذوقه، أهميته في مفعوله وليس في جودة مذاقه، ثم هو لا يهمه مذاقها، لو رغب في ذلك لجلس في مقهى يتلذذ بكأس عصير حلو، أحس بجوفه يستقبل السائل الوافد دون ترحاب، لم يهتم للأمر، كما لم يهتم بالزبناء من حوله يتعاطون الكؤوس. مزاجه ليس مستعدا للحديث مع أحد، “نبح” كثيرا طيلة الأسبوع وهو يزاول عمله، فليصمت الآن، ولينصت إلى رنين الكأس، رنينه العميق وليس رنين إنائه. تحسس جيبه، عد ما به من نقود، اطمأن إلى العدد، مقدار كاف لإطالة السهرة، تنحنح مناديا البارمان………وكانت …الكأس الثانية،تأملها مليا، حدق فيها، ثم وجه أصابع كفه نحوها، أمسك بها، أحس بنعومتها، تخيل جسدا ناعما طريا، خدر خفيف ينتقل عبر أصابعه إلى أعماقه، حرك فيه ما كان خامدا، حمل الكأس إلى فمه، تجرع نصفها، أعاد الكأس إلى مكانها واستمر محدقا في حمرة محتواها، تذكر إحساسه بالضيق، شعور يسكن داخله دون أن يعرف سببه. الناس يحاربون بعضهم بعضا، احفر لي نحفر ليك، حقد متراكم، كل يبحث عن مصلحته، الأنا ضد الأنا، صراع بشري يضيع فيه من لا يملك مجدافا، وهو لا يملك مجدافا، ولا يهمه أن يملك أي مجداف، اليوم خمر، وغدا خمر، ولك الساعة التي أنت فيها، هات كأسا ياساقي..وتحضر…….الكأس الثالثة،تتحرك أصابعه نحوها، يلتفت إلى البارمان كمن تذكر شيئا:- شوية د القطعة عافاك.يحضر طبق الحمص المسلوق، يلتهمه بشراهة، تتتابع اللقمات ولا تفصل بينها إلا مزات الكأس المتلذذة، يضع الكأس، ويحوم بعينيه متجسسا على من حوله، تقتحم عيناه الكائنات المكدسة بالبار، لتلتصقا بردف ضخمة لإحدى المرتزقات بالمكان، عجيزة مكورة أشعلت حرمانه وحركت شهوته، يتذكر آخر مرة التصق فيها بجسد أنثى، يعجز عن تحديد المدة لطول عهده بآخر عراك جسدي، يفكر في مقايضة جسد الزبونة لكنه ينتبه إلى رصيد جيبه فيحجم عن المبادرة مكرها وهو يغمغم:- بنات ال…، اتفو، يضحكو في وجهك ويطبو ليك في رزقك.حنقه لم يطفيء رغبته، كتم شهوته وأزاح بصره عن العجيزة المكورة، ونادى على كأس أخرى. يسرع الساقي بإحضار…الكأس الرابعة،يتلقفها بترحاب كمن يستقبل امرأة مطواعة، ضالة طال غيابها، تصدر عن فمه ابتسامة تكشف عن أسنانه الصفراء التي لم تعرف الفرشاة مدة طويلة، يقذف إلى جوفه ما تبقى من حمص، يحس بالجوع داخله، ينظر إلى الساقي نظرة تشي بحاجته الملحة إلى طبق آخر، يتجاهله الساقي ويلتفت إلى زبناء الويسكي الأكثر ربحا. يكتم غيظه، ويحملق في الزبناء بفضول شديد، يحدق فيهم واحدا واحدا، تدفعه إلى ذلك جرأة لا يعرف مصدرها، وجوه مألوفة لديه، الشاب النحيل الأنيق في آخر الكونطوار يسند رأسه إلى كفه، عيناه مخفيتان وراء نظارة عريضة سوداء رغم عتمة المكان، قنينات فارغة من الهينيكن تملأ الكونطوار أمامه، كثرة عددها تزيد من اهتمام البارمان، بجانبه زبونة تكشف تضاريس جسدها عن أنوثة مستفزة، تلتصق بالشاب في تهتك خليع، يحيطها بذراعه، تتحسس يده جسدها المتموج لتصل إلى الخصر ثم تنزلق إلى العجيزة فتشدها بقوة. يبلع ريقه، تحرش جنسي يحاصره، يشتد عليه الخناق فتصعد الحرارة من أعماقه إلى أذنيه، يصرخ دون وعي في الساقي….- كأسا خامسة،تحضر الكأس فيهجم عليها كالثور الهائج، يفرغها في بطنه بصوت مسموع، غليان يحاول إطفاءه بالسائل الجهنمي، فلا تزداد النار إلا اشتعالا، تحمر عيناه وتستبد به الرغبة المجنونة، تذكر الليلة التي جلب فيها امرأة إلى بيته، قذفت إليه بجسدها لدقائق معدودات أخذت ثمنها مسبقا، ارتمى عليها كالبغل بدون مقدمات، لا حاجة للمقدمات في مثل حالته، نزل عنها كالديك ثم غادرته مسرعة في سباق مع البحث عن الزبون الضائع، وبقي وحده في بحث عن الإشباع المفقود. تململ فوق مقعده، تذكر كاسيط الأغنية بجيبه، أخرجها بسرعة وأسلمها إلى الساقي الذي ألف تلبية رغبات المستمعين الزبناء، أغلبهم يحملون أشرطة متنوعة تنسجم مع تنوع همومهم، عنصر يساعد الكأس على إجلاء الهموم. دندنت الموسيقى فانتشت الرؤوس، وارتفعت الأصوات في نشاز مستحب، أغمض عينيه وسرح بذهنه مع نغمة الوتار والبندير .. تراءى زمن الشباب، وعاد شريط جلسات السهر مع الأصدقاء.. وتذكر متعته في تنشيط الأجواء الصاخبة ببيته، فاستحق لقب مدير جلسات عن جدارة.. يهش لوجوه، ويبش لأخرى، يستقبل وفودا ويودع وفودا.. لا يهم إن كان يعرف الجميع.. جار ومجرور.. وهو قطب يتحلق حوله مريدوه، ومرحبا بالجميع ذكورا وإناثا. قهقه ضاحكا وهو يتذكر لحظات إشراق ضيوفه، وكيفية استعدادهم للإنشاد كالفقهاء المادحين، فينبرون “لتلاوة” أرجوزة ابن عاشر الفقهية بعد تحريف أبياتها بكلمات ماجنة والمحافظة على إيقاع إنشادها.. فتتصاعد النغمات، وتستبد النشوة بالجميع وكأنهم أسرى موسيقى روحية اجتهد كل المشاركين في إبداع كلماتها التي تفوح جنسا، ” يقول عبد الواحد بن عاشر…”، ويعتقد الجيران أن جارهم يقيم صدقة أو حفلا دينيا، اعتقاد توحي به نغمات الإنشاد الطاغية على معاني الكلمات .. زمن جميل تشتت أفراده، فانغمسوا في مشاكل الأسرة، وظل وحده صامدا يرفض تحمل مسؤولية أحد، هذا جناه أبوه عليه وما جنى على أحد. استفاق كمن اقتلع من حلم جميل، حملق في كأسه الفارغة، لم يتذكر متى تجرعها فنادى بصورة آلية على كأس أخرى..وكانت ….الكأس السادسة،أتته تختال ضاحكة من الحسن حتى كادت أن تتكلم، استقبلها بضحكة حانية، غمس أصابعه في الكأس ومسح وجهه بالسائل كمن يتوضأ، شعر بمرح يجلو كآبته المعتادة، رغبة في التفتح على الآخرين تسيطر عليه، نسي حقده كله واستبد به ” صوت الحنان ” كما يقول أصحاب الميدان فأحس بالحاجة إلى معانقة الجميع، غمغم بكلمات غير مسموعة ورفع كأسه نحو الجميع ليشرب في صحتهم متذكرا أيامه الزاهية، أفرغ الكأس ثم أنزلها مرتطمة بالكونطوار محدثة صدمة مسموعة نبهت الساقي إلى إحضار كأس تالية، لم يعد السائل مرا، حلا الكأس ولا يهم إن كان بداخلها عنب أو حرمل..الكأس السابعة…... الثامنة..العاشرة…..العشرون… الواحدة والعشرون .. ال…انتهى العد…لم يعد مهما..خف الجسد وانقشعت الظلمة وقيل يا أحزان اقلعي .. فأقلعت عن الهطول .. وغيض الضيق والقنوط وأحس بنشوة تتلبسه وكأنها مس من فقدان الوعي .. الوجوه الكالحة استحالت إلى إشراق بهي .. والشفاه المزمومة انفرجت في ابتسامات عريضة .. الكل يبتسم.. هو يبتسم .. والشفاه المتيبسة تبتسم .. بسمات على بسمات تحولت لديه إلى ضحكة صاخبة أزاحت ثقل السنين .. ضحكة مدوية اختلطت مع دوي الموسيقى وصخب الأصوات المترنحة.. جسده يزداد انتشاء .. شعور ملح بالتحدث مع الآخرين ومعانقتهم فردا فردا .. هم زبناء مخلصون يعرفهم ويعرفونه .. لا حاجة إلى الحديث وسط الصخب وليشرع في العناق.. تعطلت لديه لغة الكلام وخاطبت ذراعاه في لغة الهوى أعناقا مختلفة .. انعدمت الرؤية ولم يعد يشعر إلا بملامسة أجساد مكدسة.. ترفق ساعداه فخاض لعبة العناق.. التذ باللعبة فغرق في الجس واللمس .. اختلطت الأجساد لديه .. وسبحت ذراعاه وسط لجج بشرية متشابهة.. لا فرق بين رجل وامرأة .. الكل متشابه لديه…و .. بدون أن يدري .. أحس بقدميه ترتفعان عن الأرض .. ويسبح فوق الرؤوس المتزاحمة باتجاه باب الخروج.. تحولت نشوة العناق إلى نشوة التحليق والطيران.. لكنه سرعان ما يسقط على الإسفلت بجانب الرصيف جاهلا سبب انتهاء التحليق.. يلتفت يمنة ويسرة محاولا استرجاع تحليقه فيتثاقل جسده، يتحامل على نفسه ثم يسير مترنحا مبتعدا عن الحان إلى أن تبتلعه الظلمة.
::. محمــــد فــــــــري
السبـــاق - 1
| السباق – 1 - قصة – محمـــد فـــري مد رجليه مستريحا، وتأملهما برهة طويلة ثم خطرت له فكرة.. لماذا لا يستغلهما في الجري والسباق..سباق الحواجزالتي أحكمت عليه الخناق من كل الجهات .. لماذا لا يجرب حظه فيتخطاها بجريه.. لقد جرى كثيرا..طاف الشوارع والدروب..دق أبواب جميع المؤسسات..الخاصة والعمومية بحثا عن عمل..لكن الحظ لم يبتسم له..ظل مكشرا عن أنيابه، أو ربما جهل عنوانه فلم يلتحق به.. بحث عنه ..جرى في جميع الجهات .. لكن الحظ كان أكثر سرعة فابتعد عنه .. ومع ذلك لم ييأس.. على الأقل أصبح يملك قدمين صلبتين وساقين قويتين بسبب خبرته في الجري..فليجرب هذه الخبرة وليشارك مع المتسابقين في السباق..الكل يجري ويتسابق..ابتسم الحظ للكثير.. ربما يبتسم حظه إذن هذه المرة.هاهي الفرصة مواتية.. الكل يتحدث الآن عن تنظيم سباق جديد نحو القبة.. والباب مفتوح لكل المترشحين .. دعوة عامة لكل صاحب موهبة.. والفائدة كبيرة .. جميع وسائل الإعلام تشجع على ذلك..فليتوكل على الله.. وليأخذ موقعه بين الصفوف !الجميع يهيء حملته للسباق .. والباب مفتوح لاستقطاب المشجعين الهاتفين بأصواتهم .. الأصوات مهمة في هذه المناسبة .. وما على المتسابق سوى معرفة كيفية اقتناصها .. على كل هناك أبناء الحي الذين سيمثلهم .. إضافة إلى زملاء الدراسة الذين خانهم الحظ مثله.. لابد أن يتعاطفوا معه .. فقد شاركهم الاعتصام كثيرا.. ونال معهم ضربات مختلفة ماتزال آثارها بضلوعه .. سوف لن يخذلوه لأنهم يعرفون إخلاصه ..هو يعلم أن هناك متسابقين محترفين .. عليمين بخفايا السباق .. بل حرفتهم هي السباق.. هو يعرفهم واحدا واحدا .. صورهم تملأ وسائل الإعلام .. وأسماؤهم مدوية في كل مكان !! يعرف منهم الحاج القوالبي صاحب معمل السكر .. والمعلم المسماري صاحب ورشة المسامير المعدنية .. والزعيم بوكرش مجهز الحفلات .. وصاحب اللحية و اللسان المغناطيسي وغيرهم .. كلهم سيتقدمون للسباق .. وكلهم أصحاب حظوظ ..قادرون على شراء الأصوات.. ومع ذلك فالأمر لا يخيفه.. سيدخل معهم السباق رغم حرفيتهم وإمكانياتهم.. على الأقل هو يثق في قدميه، وفيما يبذله من جهد.. ولن تخذله أصوات الجيران والأصحاب.إذن.. هو يعرف جيدا قدرة خصومه على استقطاب المشجعين.. صاحب اللحية ذو اللسان المغناطيسي له قدرة عجيبة على التأثير في الناس.. يعد الجميع بالجنة والحياة الرغدة.. يتلاعب بالكلام بسهولة .. ويغازل مشاعر الناس وعواطفهم .. يستشهد بالنصوص.. ويفرق الوعود على الجميع.. مراوغ قدير .. ومراوغاته تكسبه رصيدا مهما من أصوات الحالمين الكادحين.الزعيم بوكرش يحترف إقامة الحفلات والولائم.. يستغل جوع الآخرين فينصب لهم فخ المأدبة .. شعاره “أشبع كلبك يتبعك” !..أما المعلم المسامري فرجل ذكي جدا .. يعرف كيف يستغل موهبته .. يملك القدرة على المساومة والتأثير على الآخرين .. فيعرف متى يكون السوق مربحا ومتى يكون غير ذلك !ويبقى الحاج القوالبي صاحب الشكارة، وهو أكثرهم خطورة.. هذا الذي يجب أن يحسب له ألف حساب .. إمكانياته كبيرة في الاستقطاب والتأثير على الناس.. ماله وفير .. ومعامله كثيرة على رأسها معمل السكر الشهير.. والناس تعشق قوالب السكر لأنها من القوت اليومي .. خصوصا بالبادية .. وهو يسخر هذا العشق لديهم فيملك رقابهم وأصواتهم .. بل قيل إن باستطاعته التأثير على جميع الفئات.. حتى المشرفين على السباق أنفسهم..فيغيرونه لصالحه.. !المهم، هو مصر على هذا السباق..إنه فرصته الأخيرة.. وما عليه إلا أن يسلم ساقيه للريح .. سيبذل كل جهده..وتبا للآخرين.أزفت ساعة السباق.. واصطف المترشحون في خط واحد .. يتأهبون للجري..منتظرين انطلاق صفارة الحكم..الجماهير متراصة على طول جانبي الطريق..تشجيعاتهم متواصلة..والمتسابقون حذرون..ينظرون إلى بعضهم شزرا..يكشرون عن أنيابهم.. ويبرزون مخالبهم الحادة..والويل للضعيف !جلجلت صفارة الحكم فطار الجميع وتعالى الصراخ.. وغطى طريق السباق غبار كثيف حجب الرؤيا..وتعذر على الحكام مراقبة السباق بدقة. قيل إن الحاج القوالبي سخر الريح لصالحه..فهبت في اللحظة المناسبة لإثارة الغبار الحاجب، وقيل إن المسامري له أيضا يد في ذلك.. الكل لهم أياد..وهو لا يملك إلا رجليه.. فليثر بهما الغبار على طريقته !المتسابقون يجرون..كل بالخطة التي تمرن عليها.. والقبة في آخر الطريق شعار الوصول..احتد السباق.. وانصبت الأعين على القبة..لم تعد تبصر شيئا آخر.. القبة ولا شيء غير القبة.. !!حمى السباق أكثر..نظر حواليه بحذر وخوف..فلم ير إلا وجوها كالحة..الزحام على أشده بين المتسابقين، يتدافعون بالمناكب، ويتصارعون بالأيدي.. التفت الساق بالساق.. اشتد الصراع.. استعملت المخالب والأنياب..جميع الطرق مشروعة مادام الغبار يحجب الجميع.. والمناسبة سانحة للعمل في الخفاء.المعلم المسامري يعيق السير بزرعه المسامير الحادة في طريق السباق..مسامير تنغرز في أقدام المتسابقين غير المحنكين..فيعلو صراخهم.. وينسحبون متألمين.الزعيم بوكرش يرمي بقشور الموز فتتزحلق الأقدام.. وينزاح الكثير عن الطريق.صاحب اللحية ذو اللسان المغناطيسي يجري ويزعق في وجوه خصومه.. يتلو التعاويذ ويشتت تركيز المتسابقين فتنهار نفسياتهم.الحاج القوالبي يجري بدوره رغم كرشه المترهلة.. يحمل معه قوالب سكرية يرمي بها من ورائه لعرقلة جري الخصوم.الجري على أشده..الأنفاس تتلاحق..واللهات يتصاعد.. وهو يجري ويجري.. المسامير تدمي قدميه فلا يأبه لها.. وقشور الموز تكاد تزلقه فيروغ عنها.. وتعويذات صاحب اللحية يصم عنها أذنيه فلا تنال منه.. أما القوالب فيقفز عليها بخفة فيتجنب صدمتها.يصمم على الصمود.. ويضاعف من سرعته.. ويقرر التفوق على الجميع.. لهاث المعلم المسامري يلفح رقبته.. فيزيد من سرعته.. يبتعد عنه كثيرا.. ينسى دماء قدميه.. يتفوق عليه. يلتحق بالزعيم بوكرش.. قشور موزه نفذت.. لم يعد يملك سلاحا..صار أعزل.. يتجاوزه بسهولة ويتركه وراءه. يقترب من صاحب اللحية ذي اللسان المغناطيسي.. لم يعد يهتم بتعويذاته.. ولا بلسانه الطويل الذي يحاول به عرقلة قدميه.. يرفس لسانه..يقفز..يتخطاه..وإذا بصاحب اللحية خلفه بعيدا.. لا يصله إلا صوته المغمغم باللطيف.يستمر في الجري.. تتلاحق قدماه الحافيتان..يتلاحق جريه.. تتزايد سرعته.. يقترب من القبة تدريجيا.. يغمض عينيه ويحلم بالفوز.. تزداد كثافة الغبار..يعلو الصراخ..تختلط الأصوات..الأصوات مهمة في هذه اللحظات.. أصوات مشجعيه الذين وعدوه خيرا.. يستمر في جريه.. خط النهاية يقترب.. حجم القبة يكبر.. لم تبق إلا أمتارفيلامس جدرانها.. يتفقد الحاج القوالبي فلا يجده..لقد أخفاه الغبار.. ربما بقي بعيدا في الوراء.. المهم أنه يقترب .. سوف يصل في لحظات..سيفوز.. منظمو السباق سيستقبلونه استقبال الأبطال.. ويخلعون عليه إكليل النصر.. عفوا ! بل سلهاما أبيض ناصعا وطربوشا أحمر فاقعا..لباسا يقيه من نزلة برد بعد سخونة السباق.. سيدخلونه القبة ليستريح من الجري.. وربما سينام قليلا.. ما أحلى النوم داخل القبة.. جدرانها تحمي من لفحة الرمضاء.. وكراسيها وثيرة تغري بالاسترخاء..يعود إلى جريه.. لم تبق إلا مسافة قليلة.. هاهو خط الوصول أخيرا..يطمئن إلى الفوز.. مشجعوه سيفرحون.. لأنه سيدعو لهم داخل القبة..ويقتسم معهم الجائزة..هم أصحاب فضل عليه.. لن يتخلى عنهم.. والقبة كلها بركة.بقيت خطوة واحدة..خطوة ويفوز.. يمد قدمه..يرفع ذراعيه كما يفعل الأبطال عند تأكدهم من النصر..تعلو شفتيه ابتسامة لاهثة..يصل إلى خط النهاية..يكاد يلمس شريطه بصدره..وفجأة..يحس بشيء صلب يعرقل قدميه.. يحاول أن يتخطاه فيعجز..يسقط بقوة.. يرتطم جسده المنهك بالأرض الصلبة..يحاول النهوض ليلمس شريط النهاية..لكن الشيء الصلب يكبل قدميه..يتلاشى الغبار..تتضح الرؤيا.. يظهر الحاج القوالبي وقد اجتاز خط الوصول وربح السباق ثم لبس سلهام الفوز.. ينظر إلى حمرة طربوشه فينتبه إلى حمرة دمه النازف من قدميه.. يتلمسهما فيكتشف قالب سكر كبير لم ينتبه إليه في اللحظة الأخيرة فـــ..فــ ..عرقل سيره !! محمد فـــري |
وحــــــــدة: شارل بوكوفسكي - ترجمة محمـــد فــــري
| وحــــــــدة: شارل بوكوفسكيترجمة: محمــد فـــري كانت تسير في الطريق وهي تحمل سلة التموين عندما تجاوزت السيارة، كانت عليها لافتة معلقة على ستر الباب.“أبحث عن امرأة”توقفت، كانت هناك قطعة ورق مقوى على زجاج السيارة، بها نص مرقون بالآلة الكاتبة، صعب عليها قراءته من المكان الذي كانت فيه على الرصيف، ولم تستطع أن تدرك إلا العنوان:“أبحث عن امرأة”كانت عبارة عن سيارة فخمة جديدة. تقدمت “إيدنا” على العشب لتقرأ النص المرقون بالآلة:“رجل، 49 سنة، مطلق، يرغب في لقاء امرأة بقصد الزواج، ينبغيأن يكون سنها ما بين 35 و 44. أحب التلفــزة وقاعـات السينمــا،ذواقة، محاسب طول الوقت، رصيد بنكي محترم. أحب النساء المكتنزات.”في السابعة والثلاثين، كانت “إيدنا” بالأحرى مكتنزة فعلا. كان هناك رقم هاتف، وثلاث صور للشخص الباحث عن امرأة، يبدو فيها متصنعا ببذلته وربطة عنقه. كما يبدو كدرا قاسيا بعض الشيء، منحوتا من جذع شجرة.ابتعدت “إيدنا” وهي تبتسم في غموض، كانت تشعر بالاشمئزاز أيضا. وعندما وصلت إلى منزلها، كانت قد نسيت اللافتة تماما، ولم تتذكر الرجل إلا بعد بضع ساعات وهي تغتسل في الحمام، وفي هذه المرة قالت مع نفسها إنه يجب أن يكون وحيدا فعلا ليعمل مثل هذه الفعلة:“أبحث عن امرأة”تخيلَتْه راجعا إلى بيته، مكتشفا فواتير الغاز والهاتف في صندوق بريده، خالعا ثيابه، آخذا حماما، مشعلا جهاز التلفزة، ملقيا نظرة على أخبار المساء، ثم متجها إلى المطبخ لإعداد طعامه، واقفا في سرواله القصير، مركزا عينيه على المقلاة، واضعا عشاءه على المائدة، آكلا، شاربا قهوته، مشاهدا التلفزة مرة أخرى، وربما شاربا لكأس وحيدة قبل النوم، ملايين الرجال يفعلون هذا في أمريكا كلها.أنهت “إيدنا” حمامها، تنشفت، ارتدت ثيابها وخرجت من شقتها، ما زالت السيارة في مكانها. دونت اسم الشخص:”جو لايثيل”، ورقم هاتفه. أعادت قراءة النص المرقون … قاعات السينما .. يالها من كلمة غريبة، كل الناس يقولون الآن .. سينما .. ببساطة، أبحث عن امرأة، هذا شخص لا تعدمه الجرأة، التعبير يدل على شخصية قوية.عندما عادت “إيدنا” إلى منزلها، تناولت ثلاثة فناجين من القهوة قبل أن تركب الرقم. رن الهاتف أربع مرات.” ألو؟ ..” رد صوت رجل- السيد لايثيل؟- نعم- رأيت إعلانك على السيارة- آه! طبعا- اسمي “إيدنا”- كيف حالك “إيدنا”؟- أوه! على ما يرام، لكن الحرارة مفرطة، شيء لا يحتمل حقا- نعم، هذا لا يجعل الحياة يسيرة- إذن، يا سيد “لايثيل” …- ناديني “جو”- إذن، “جو”، ها ها ها، أجد نفسي بلهاء، أتعرف لماذا أهاتفك؟- لقد رأيت إعلاني؟- أريد أن أقول، ها ها ها ، ما مشكلتك؟ ألم تستطع إيجاد امرأة؟- حسب ما يبدو لا، خبريني يا “إيدنا”، أين هن؟- النساء؟- طبعا- أوه، في كل مكان، أتعلم- أين؟ قولي لي أين؟- في الكنيسة مثلا، هناك نساء في الكنيسة- لا أذهب إلى الكنيسة إطلاقا- أوه!- إسمعي يا “إيدنا”، لماذا لا تأتين وتقومين بجولة لدي؟- تقصد في بيتك؟- نعم. أسكن شقة لطيفة، يمكننا تناول كأس ونحن نثرثر في هدوء- الوقت متأخر- ليس متأخرا حقا، إسمعي، لقد لا حظت لافتتي، أنت بالتأكيد مهتمة بالأمر- على كل حال …- إنك خائفة فقط، خائفة بكل بساطة- لا، لست خائفة- إذن تعالي نشرب كأسا يا “إيدنا”- إذن ..- تعالي- طيب، سأكون هناك بعد ربع ساعة.”كان الطابق الأخير من عمارة حديثة، في الشقة 17 ، وفي الأسفل، كان ماء المسبح يعكس الأضواء. طرقت “إيدنا” الباب، فانفتح ورأت السيد “لايثيل”، جبهة منحسرة، شعر بارز من منخاره، ياقة قميص مفتوحة.” تفضلي “إيدنا” .. ”دخلت فأغلق الباب خلفها، كانت ترتدي فستانا أزرق من التريكو، وزوج صندل، لكن دون جوارب، وتدخن سيجارة.” إجلسي، سأهيء لك كأسا.”كان المكان لطيفا، كل شيء بالأزرق والأخضر، لكن في غاية النظافة. كانت تسمع السيد “لايثيل” يدندن وهو يهيء الكؤوس، همممممممم، همممممم، هممممم … يظهر مرتاحا، الأمر الذي يشجع “إيدنا”.رجع السيد “لايثيل” - “جو” - بكأسين، مد كأسه لـ “إيدنا”، ثم جلس على الكنبة في مقابلها.” نعم، إنها حرارة جهنمية، لحسن الحظ لدي مكيف الهواء.”- لاحظت ذلك، شيء لطيف- إشربي- آه! طبعا.شربت “إيدنا” جرعة، كان شرابا طيبا، قويا بعض الشيء، لكن مذاقه طيب. لاحظت أن “جو” يميل برأسه إلى الخلف عندما يشرب، فتظهر تجاعيد عميقة تحفر عنقه، كان يسبح في سروال واسع جدا بالنسبة له، الأمر الذي يجعل منظر ساقيه غريبا.” ترتدين فستانا جميلا يا إيدنا”- أيعجبك؟- أوه! نعم، ثم إنك مكتنزة، ويناسبك تماما، تماما فعلا. لم تقل “إيدنا” شيئا، وكذلك “جو”. ظلا ينظران إلى بعضهما وهما يضعان كأسيهما.” سأقدم لك كأسا أخرى- لا، علي الذهاب الآن- أوه! لاعليك، دعيني أهيء لك كأسا أخرى، إننا بحاجة لشيء للاسترخاء- طيب، لكن بعد هذا سأذهب.توجه “جو” بالكأسين إلى المطبخ، لم يعد يدندن، رجع ومد كأسه إلى “إيدنا”، ثم جلس مقابلا لها. كان شراب الكوكتيل أقوى من الأول.” أتعلمين، إنني لا أقهر في الإجابة عن الاستبيانات المتعلقة بالجنس.”شربت “إيدنا” جرعة دون أن تجيب.” وأنت، هل يهمك ذلك؟- لم أجب مرة على أحدها- خسارة، أتعلمين، إجاباتنا تكشف عن شخصياتنا- أتصدق فعلا هذه الأشياء؟ لقد رأيت مثل ذلك في الجريدة، ولم أجب أبدا عن الأسئلة، لكنني رأيت ذلك- طبعا، هي ذات مصداقية- يمكن أن أكون غير جيدة في مسألة الجنس، ربما بسبب هذا أنا وحيدة.”شربت جرعة كبيرةقال “جو”:” في آخر الأمر، كلنا وحيدون”- ماذا تقصد؟- أقصد أنه في معزل عن الجنس أو الحب، ينتهي يوما كل شيء- شيء محزن- طبعا، يوما ما، تكون النهاية، إما بالانفصال، أو بالتسوية: يتعايش الشريكان دون أن يشعرا بشيء نحو بعضهما. أنا أفضل أن أعيش وحيدا- أأنت الذي قررت الطلاق يا “جو”؟- لا، إنها زوجتي- ما الخلل؟- طقوس عربدات جنسية- طقوس عربدات جنسية؟- تعلمين، طقس العربدة الجنسية هو أكثر مكان وحدة يمكن تخيله، هذه الجلسات المجونية - يصيبني الإحباط - هذه الأعضاء التناسلية الذكرية الداخلة والخارجة - عذرا…- لا بأس- هذه الأعضاء التناسلية الداخلة والخارجة، هذه السيقان المعقودة، هذه الأصابع المسعورة، الأفواه، الكل يجهد نفسه ويعرق في إصرار على “الوصول” مهما كان الأمر- لا أعرف شيئا عن كل هذا “جو”، أعتقد أن الجنس لا شيء دون حب، لا تتخذ الأمور معناها إلا إذا كانت هناك عاطفة بين الشريكين- أتقصدين أن على الناس أن يتحابوا؟- هذا يساعد- لكن تخيلي كون الشريكين تعبا من بعضهما البعض، وأرغما على البقاء مجتمعين؟ من أجل المال؟ من أجل الأولاد؟ كل هذا ..- إذن ما العمل؟- لا أدري، ربما التبادل- التبادل؟- تعلمين، عندما يتعارف زوجان جيدا ( رجلان وامرأتان )، ويتبادلان الشريكين فيما بينهما ، هنا على الأقل، يكون للمشاعر بعض الحظ، مثلا، لنقل إنني أحببت دائما زوجة “مايك”، أحبها كثيرا منذ أشهر، أتأملها كل مرة تجتاز فيها الغرفة، أحب أن أراها وهي تتحرك، إنها تثير فضولي، تعلمين، أتساءل ماذا وراء هذه الحركات، رأيتها غاضبة، ثملة، متحفظة. وإذن نبدل، نتواجد في غرفة، باختصار، أتعرف عليها حقيقة. هناك حظ أن يحدث شيء حقيقي. طبعا يكون “مايك” مع زوجتي في الغرفة الأخرى. أقول مع نفسي، حظ طيب يا “مايك”، أتمنى أن تكون مثلي في عشقي.- وهل ينجح ذلك؟- لا أعلم … أحيانا تنتج مشاكل عن التبادل .. فيما بعد .. يجب مناقشة المسألة بعمق، ومع ذلك، يمكن للوضع أن يتعقد، رغم كل النقاشات- أتعتقد ذلك يا “جو”؟- وإذن، هذه التبادلات .. أظن أنها قد تنجح عند البعض … من الممكن عند عدد لا بأس به من الأشخاص، لكن أعتقد أن هذا ينجح في حالتي، فأنا جد متصنع للحشمة.”أكمل “جو” كأسه، ووضعت “إيدنا كأسها ثم وقفت” إسمع يا “جو”، يجب أن أذهب..”اجتاز “جو” الغرفة نحو “إيدنا”، كان يشبه الفيل في سرواله الواسع، لاحظت أذنيه الضخمتين، ثم عانقها وقبلها، لم ينجح الكحول في إخفاء رائحة فمه الكريهة، تنبعث من فمه رائحة لا تطاق، جزء من فمه لم يمسها، كان قويا، لكن قوته كانت قذرة، توسلت إليه، أبعدت رأسها، لكنه لم يتركها.أبحث عن امرأة” جو، أتركني! إنك تتسرع، جو! أتركني!- لماذا أتيت إلى هنا إذن أيتها القذرة؟”حاول أن يقبلها من جديد، نجح في ذلك، كان شيئا فظيعا. رفعت “إيدنا” ركبتها، أصابت الركبة الهدف. لوح بذراعيه في الهواء، ثم سقط على البساط.” يا إلهي، يا إلهي … لماذا فعلت ذلك؟ حاولت قتلي..” كان يتكور على الأرض.مؤخرته، تخيلت”إيدنا” مؤخرته بشعة. تركته يتلوى على البساط ونزلت السلالم بسرعة.في الخارج، كان الهواء نقيا، سمعت أناسا يتكلمون، سمعت أجهزة تلفزاتهم. عادت إلى بيتها ماشية، لم يكن المكان بعيدا. كانت بحاجة إلى أخذ حمام آخر، تخلصت من فستانها الأزرق من التريكو واغتسلت بقوة. ثم خرجت من المغطس، تنشفت بمنشفة ووضعت على شعرها ملاقط وردية، وقررت ألا ترى “جو” أبدا .شارل بوكوفسكي – ترجمة: محمــد فـــري ” solitude ”Charles Bukowski1973 Au sud de nulle part - livre de poche |
النفاخة الصغيرة للكاتب الإيطالي دينو بوزاتي - ترجمة محمـــد فـــري
النفاخة الصغيرة
للكاتب الإيطالي: دينو بوزاتي
ترجمة: محمـــد فــــري
في صبيحة أحد، بعد الانتهاء من سماع القداس، جلس الملاكان ” أونيتو ” و ” سغرتاريو “على كرسيين جلديين سوداوين من نوع ” ميلر “، يتابعان من أعالي السماء، ما يتآمر عليه هؤلاء البشر الأوغاد على الأرض..نطق الملاك ” أونيتو ” بعد صمت طويل:” قل لي يا ” سيغريتاريو “، هل شعرت أحيانا بالسعادة عندما كنت بالحياة؟”-” يالها من فكرة !، رد صديقه مبتسما، لكن لايمكن لأحد أن يكون سعيدا على الأرض !”قال ذلك ثم جلب من جيبه علبة ” مارلبورو “.-” أتريد سيجارة؟ ”- بكل سرور، شكرا، رد الملاك ” أونيتو “، مع أنني عادة لا أدخن صباحا، لكن اليوم هو يوم عيد… ومع ذلك ، كما ترى، أعتقد أن السعادة….”قاطعه ” سيغريتاريو “:-” بالنسبة لك شخصيا .. هل حدث لك ذلك؟ ”-” لم يحدث لي أبدا..ومع ذلك أنا مقتنع أن…”-” لكن، أنظر إليهم، أنظر إليهم إذن !، صاح الملاك ” سيغرتاريو ” وهو يشير إلى ما يحدث بالأسفل، إنهم ملايير وملايير، اليوم يوم أحد، والصبيحة التي هي من أهم لحظات النهار لم تنته بعد، والنهار رائع به شمس ساطعة، ليس حارا كثيرا، بل تهب أيضا نسمة رطبة ممتعة، والأشجار مزهرة، والحقول كذلك، إنه الربيع، فضلا عن ذلك هم يعيشون ازدهارا اقتصاديا، وعليهم أن يشعروا بالرضى، أليس كذلك؟ ومع ذلك، دلني على شخص واحد، واحد فقط يشعر بالرضى وسط هذه الملايير من الناس، لا أطلب أكثر من ذلك، وإذا دللتني عليه، فسأستضيفك على عشاء فاخر..”-” طيب ”أجاب ” أونيتو ” وشرع يبحث بدقة هنا وهناك في الأسفل وسط هذا الازدحام اللامحدود.انتبه إلى أنه من العبث أن يتوقع إيجاد ذلك من الوهلة الأولى، سيحتاج الأمر على الأقل إلى عدة أيام من العمل. ولكن، من يدري؟كان ” سيغريتاريو ” يراقبه بابتسامة ساخرة ( سخرية لطيفة طبعا، وإلا فأي ملاك سيكون…)-” تبا، أعتقد أني وجدته..”تحدث ” أونيتو ” فجأة وهو يقوم من على مقعده.-” أين؟ ”-” في هذا المكان، وأشار إلى قرية مغمورة بين الهضاب، هناك، وسط كل هؤلاء الناس الخارجين من الكنيسة…هل ترى هذه الطفلة الصغيرة؟ ”-” تلك المقوسة الساقين؟ ”-” نعم.. تماما.. لكن انتظر قليلا حتى…”كانت ” نوريتا ” الصغيرة ذات الأربع سنوات، تملك فعلا ساقين مقوسين قليلا، وكانت نحيفة وضعيفة كما لو كانت مريضة، نمسكها أمها من يدها، وتظهر ملامح الفقر على العائلة بسهولة، ورغم ذلك كانت الصغيرة ترتدي فستان أحد أبيض مزخرفا بالدنتيلا، ويعلم الله كم كلف ذلك من تضحيات.وكانت توجد بأسفل سلم الكنيسة مجموعة من الباعة: باعة ورود، وبائع ميداليات وصور دينية، ثم هناك أيضا بائع نفاخات، حزمة رائعة من النفاخات المتعددة الألوان تتموج بأناقة على أبسط هبة ريح فوق رأس الرجل.توقفت الطفلة أمام الرجل صاحب النفاخات وهي ممسكة بيد أمها، وفي هذه اللحظة، وبابتسامة مغرية تثير الإشفاق، رفعت عينيها إليها، وفي نظرتها نوع من الشوق والرغبة والحب تعجز عن مقاومته أعتى قوى الجحيم نفسها، فليس هناك سوى نظرات الأطفال التي تملك مثل هذه القوة الهائلة، ربما لأنهم صغار، ضعاف أبرياء ( كذلك نظرات بعض الجراء التي تتعرض لسوء المعاملة).ولهذا الأمر بالضبط، كشف الملاك ” أونيتو ” العارف بالأمور عن الطفلة الصغيرة، معتمدا تفسيره الآتي: إن رغبة امتلاك نفاخة عند هذه الطفلة جد قوية إلى درجة سترغم أمها على تلبية طلبها إن شاء الله، وستكون حتما سعيدة، ربما لساعات قليلة فقط لكنها ستكون سعيدة على كل حال، وإذا حدث ذلك حسب تقديري، فسأربح رهاني مع ” سيغريتاريو “.كان باستطاعة الملاك ” أونيتو ” أن يتابع المشهد الذي يحدث بالأسفل في ساحة القرية، لكنه لم يكن باستطاعته أن يسمع ما قالت الصغيرة لأمها ولا ما أجابتها به هذه الأخيرة، وذلك بسبب تناقض لم يعرف سره أحد: فالملائكة يستطيعون مشاهدة ما يحدث بالأرض انطلاقا من الجنة، وكأن بداخل أعينهم آلات تلسكوب قوية، لكن ضجيج الأرض وأصواتها لا يصل إليهم ( ماعدا في حالات استثنائية كما سنرى بعد حين ): ربما هو إجراء من أجل المحافظة على أعصاب الملائكة من ضجيج المحركات الوحشي.أرادت الأم متابعة طريقها وهي تمسك بيد طفلتها الصغيرة، وفي لحظة خشي الملاك ” أونيتو ” أن ينتهي الأمر عند هذا الحد، تبعا للقانون المرير المنتشر بين البشر، قانون الإخفاق والخيبة.ذلك أن الطلب المثير الذي كان يشع من عيني ” نوريتا ” لا تقوى عليه أعتى الجنود المصفحة في العالم، لكن الفقر بإمكانه أن يقاومه، لأن الفقر لا يملك قلبا، ولا يرق لأحزان طفلة.لحسن الحظ ، شاهد الملاك الطفلة ” نوريتا ” وهي تقف على رؤوس أصابع قدميها، محدقة دائما في عيني أمها، فتتسع حدة نظراتها المتوسلة ما أمكن، وشاهد الأم تحدث الرجل صاحب النفاخات وتمنحه بعض القطع النقدية، ورأى الطفلة تؤشر بأصبعها، فيفك الرجل من الحزمة إحدى أجمل النفاخات، في أحسن انتفاخ وأحسن مظهر، وفي لون أصفر فاقع.هاهي ” نوريتا ” تسير الآن بجانب أمها، وهي ماتزال تحملق غير مصدقة في النفاخة التي كانت تمسكها بخيط، فتتبعها في اندفاعات لطيفة وهي تخفق في الهواء.لكز الملاك ” أونيتو” صديقه الملاك ” سيغريتاريو ” بمرفقه، وهو يبتسم ابتسامة ماكرة مسموعة، فيبتسم هذا الأخيرفي رضى، لأن أي ملاك لا يملك إلا أن يكون سعيدا عند خسارته لرهان ما إذا كان ذلك يعني تخفيف ولو ذرة ألم من معاناة البشر .من تكونين يا ” نوريتا ” وأنت تجتازين القرية بنفاختك صبيحة هذا الأحد؟ إنك العروسة الشابة المشرقة وهي تخرج من الكنيسة، إنك الأميرة المنتصرة، إنك المغنية الإلهية المحمولة على أكتاف الجماهير الهادرة، أنت المرأة الأكثر غنى وجمالا في العالم، أنت الحب المشترك والسعيد، أنت الزهور، والألحان، والقمر، والغابات والشجر، أنت كل ذلك جميعا، لأن نفاخة من المطاط جعلتك سعيدة، فلم يعد ساقاك المسكينان مريضين، بل أصبحا ساقين قويتين لرياضية تخرج منتصرة من الأولمبياد.استمر الملاكان يتابعانها وهما يشرئبان بعنقيهما. وصلت الأم والطفلة إلى منزلهما المعلق على هضبة بضاحية فقيرة. دخلت الأم إلى المنزل لممارسة أشغالها، بينما ظلت ” نوريتا ” ونفاختها جالسة فوق حائط من الحجارة يمتد على طول الزقاق، تلقي نظرة على النفاخة تارة، و على المارة تارة أخرى: كانت تصر على أن يراها الجميع ويغبطونها على سعادتها. ورغم عدم تسرب أشعة الشمس إلى الزقاق بسبب البنايات العالية والقاتمة التي كانت تحيط به، ورغم انعدام أية مسحة جمال من وجه الطفلة، فقد أشرق هذا الوجه إلى درجة أنه أنار المنازل المجاورة بقوة.ثم مر ثلاثة من الفتيان الأشقياء القساة، وجلبت الطفلة انتباههم وهي تبتسم إليهم، فسارع أحدهم – وكأنه يمارس أمرا عاديا – وأمسك عقب السيجارة المشتعلة التي كانت بفمه، وبطرفها مس النفاخة التي انفجرت في الحال، وسقط حبلها بيد ” نوريتا ” بعد أن كان متعاليا في السماء، وفي نهايته قطعة مطاط ذابلة ماتزال مشدودة إليه. لم تفهم الطفلة في البداية ما حدث، ونظرت مشدوهة إلى الأشقياء الذين كانو يقهقهون بقوة وهم يجرون مبتعدين، ثم أدركت أن النفاخة قد اختفت، وأنها قد فقدت سبب سعادتها الوحيد إلى الأبد.صدر عن وجهها الصغير تشنجان غريبان أو ثلاثة قبل أن يتحول ذلك إلى تكشيرة انتحاب يائس.كان ألما غير محدود، شيئا فظيعا لا علاج له. قلنا سابقا – تبعا للقاعدة – إنه لا تصل إلى حدائق الجنة الخلابة أدنى همسة بشرية: لا هدير محرك، ولا دوي إنذار، ولا طلقات نار، ولا صراخ، ولا انفجارات نووية، ومع ذلك فقد وصل نحيب الطفلة، ودوى صداه بقوة في كل الأرجاء. طبعا تعتبر الجنة مكان سلام وسعادة سرمديين، لكن إلى حدود معينة فقط. وإلا، فكيف يمكن للملائكة إذن الانتباه إلى آلام البشر؟كانت صدمة بالنسبة للمحظوظين المنشغلين بلذتهم العفيفة، عكر ظل مملكة النور هذه فانقبضت القلوب، من بإمكانه تعويض ألم هذه الطفلة؟رمق الملاك ” سيغريتاريو ” صديقه ” أونيتو ” دون أن ينبس بكلمة.” يالقذارة هذا العالم ! ” غمغم ” أونيتو “، وبتلقائية رمى بقوة سيجارته التي أشعلها في نفس اللحظة، وتركت هذه الأخيرة خطا غريبا وراءها وهي تتدحرج نحو الأرض. فتحدث أحدهم بالأسفل عن أطباق طائرة.
دينو بوزاتي
ترجمة محمــد فــري
صالح بن المعطي
| صالــح بن المعطي قصة - محمــد فـــري هش ” صالح بن المعطي ” على قطيعه المكون من نعجات خمس هزيلات.. الأرض قاحلة تشكو من أثر الجفاف، والشمس ملتهبة في كبد السماء، والتربة صلبة سوداء متشققة، تتخللها في بعض الأماكن أعشاب قليلة تتوزع على مسافة شاسعة.. وعليه أن يقود نعيجاته إليها لتقتات بما تبقى من نبات الأرض، ولن يعود بها إلى ” الخيمة ” إلا عند غروب الشمس.لم يكن المحصول الزراعي وفيرا هذه السنة..ولا السنة الماضية، تبدل المناخ وتبدلت معه أسباب الحياة..ولم تعد الأيام ( زينة ) كما عهدها في الماضي. مازال يذكر الأمطار وهي تهطل في وقتها المناسب، فيحرث الأرض ويزرعها، وتعود للهطول ثانية مبشرة بسنة خصبة وحصاد وفير..ولم يكن الزمان زمن مسخ.. فالخير متوفر، والبشر يعم الوجوه.كان ” صالح بن المعطي ” أيامها شابا وسيما، ذا بنية قوية، وحيوية فائقة، تعرفه القرية، ويعجب به أفرادها كلهم.. خصوصا لطرائفه التي لم تكن تنتهي.. تحداهم يوما والجميع في مأدبة على أن يشرب إناء السمن المذاب الذي تسقى به قصعة ” الكسكسي “.. حملق فيه الجميع باندهاش وهو يفرغ الإناء في جوفه دون أن يتحرك فيه ساكن..بهذه الاندفاعات جلب هيبة الآخرين.. إضافة إلى مهارته في الفروسية التي كانت مضرب المثل..يجري فوق فرسه كالريشة.. ويلاعب بندقيته بمهارة..فيشد الأنفاس.. ويبهر الأنظار.غير أن الأحوال قد تغيرت، وللسن أحكامه..والكبر عبر كما يقولون.. خصوصا إذا انضافت الحاجة وقلة اليد إلى ذلك.. باع جزءا كبيرا من أراضيه لمواجهة مخلفات الجفاف وديون القرض الفلاحي.. حتى أولاده هاجروا إلى ” الطليان ” بعد أن لفظتهم القرية.. وسدت أمامهم أبواب العيش.ساق ” صالح بن المعطي ” نعيجاته من جديد بحثا عن أعشاب صالحة.. ثم استبد به العياء فجلس وأسند ظهره إلى جذع شجرة منخورة جفت أوراقها..وبعد أن استرد أنفاسه أمسك بجرابه وجلب منه قطعة خبز وإناء لبن وشرع يتناول غداءه.أغمض عينيه ليستريح، وتزاحمت الذكريات بذهنه تستعرض صورها متسابقة وكأنها صاعدة من أعماق ماض سحيق.. هاهي ملامح أصدقائه الغابرين تتراص أمامه: ” ولد حمامة ” و ” حمر الراس ” ومشرك الحفنة “و ” ولد المجمر ” وغيرهم.. صفوة شباب ” الدوار ” وخيرة فرسانه… صورهم مجسدة أمامه وهم على صهوات خيولهم، يحملون بنادقهم المحشوة بالبارود، يتقدمهم جميعا بفرسه ” البركي ” كقائد تتبعه رعيته وتخضع لأوامره. كلهم يتوفرون على خيول أصيلة..يتنافسون في العناية بها، ويوفرون لها أحسن رعاية.. ” عبرة شعير ” يوميا خالية من الحصى والحجارة الصغيرة..ودلو ماء صاف عذب..وحمام يومي ينعم به الفرس ليحافظ على نشاطه وحيويته.كان ” صالح بن المعطي ” يملك أحسن فرس..استطاع بمهارته أن يروضه أحسن ترويض..يركبه فيختال على ظهره فارسا ماهرا..أما أحسن اللحظات فكانت عندما يجتمع في أثناء المناسبات للمشاركة في ” لعبة الفروسية “..وكانت المناسبات عديدة..عرس أو عقيقة أو ختان أو عودة حاج..كلها أوقات سعيدة..وكم كانت الأوقات السعيدة كثيرة.. فالزرع كثير والخير وفيروالحمد لله على كل حال.تململ ” صالح بن المعطي ” برأسه قليلا وهو يسنده على جذع الشجرة ويصلح من عمامته ليتحاشى أشعة الشمس اللافحة..واستسلم من جديد إلى ذكرياته هروبا من حاضر لا يسعفه..هاهي الأيام ( الزينة ) تعبر الماضي السحيق..وتخترق الزمن لتداعب ذهنه بلطف..جادك الغيث ياليام الزينة..لكن أين هو الغيث..لعله صدر فيما صدر إلى الخارج..وحل القحط محله.. تبا للقحط.. ما أقساه..فساد الأخلاق ساهمت في مجيئه..ومحت اللحظات المشرقة.. إيه يالحظات الماضي..كان ” مقدم الدوار ” يأتي بنفسه باحثا عن ” صالح بن المعطي ” ليخبره عن رغبة ” القايد ” في إقامة ” التبوريدة “..وأن حضوره مع فرسان الدوار ضروري.. وما عليهم إلا أن يأتوا في أحسن حلة ممتطين صهوات خيولهم متمنطقين ببنادقهم.. أما البارود و ( الحبة ) فيتكلف بهما القايد.شعت ابتسامة شاردة من ثغر ” صالح بن المعطي ” وهو يقتنص اللحظات الهاربة..هاهي صفوف الخيول متراصة في نظام دقيق، وعلى ظهورها فرسان لبسوا الجلابيب البيضاء، وتعمموا بالعمامات الحريرية، وتمنطقوا بخناجرهم الفضية، وأمسكوا بثقة بنادقهم التي كانوا يسلمونها لمساعديهم بين الحين والحين كي يملأوها بالبارود ويضعوا ( الحبة ) في ( الزناد ).الخيول مزينة بصهوات مذهبة بديعة الصنع..جلبت من فاس ومراكش..تعكس دقة الصانع التقليدي..وتذكي نخوة الفارس بإضفائها عليه وعلى فرسه زينة وبهاء.صالح بن المعطي يتصدر( الصربة ) المكونة مما لايقل عن أربعين فارسا مغوارا..وقد اصطف أفراد الدواوير على جانبي حلبة الفروسية..بينما انتصبت على بعد عشرات الأمتار خيمة القائد الكبيرة..يقف ” صالح بن المعطي ” على فرسه بثبات مقابلا الخيمة الكبيرة التي هي نهاية السباق، وبإشارة حاسمة، يأمر فرسانه بالتوجه ببطء نحوها، وما على كل فارس في هذه الأثناء إلا أن يظهر ما يبرع فيه من ترويض، وعند الاقتراب من الخيمة يحيي ” صالح بن المعطي ” القايد وأعيان القبائل، ملتمسا دعواتهم، فيكيل له هؤلاء الدعوات الصالحات وكأنه سيخوض مع فرسانه أعداء وهميين- دعيوا معانا يا الشرفا- سيروا الله يبيض سعدكم ويقويكم على من عاداكموتتصاعد زغاريد النساء صادحة في الأجواء، تشق الآذان والأسماع..تشجع الفرسان وتلهب حماساتهم.. ولم يكن ” صالح بن المعطي ” لتغيب عنه زغرودة معينة يفرد لها مكانا خاصا من سمعه..فتستبد به نشوة الظفر، ويعود مع فرسانه إلى خط البداية، ويستعد للتبوريدة. يقف الجميع بخيولهم وقفة متراصة، وما هي إلا لحظات حتى يلعلع صوت صالح معلنا عن الانطلاقة..- آ لحافظ الله !فتتأهب الخيول مستعدة للانطلاق..بينما يراقب ” صالح ” الفرسان وخيولهم بعين حذرة، وحركات ثابتة، ويطلق تنبيها آخر- آرو الخيل !فتنطلق الخيول مسرعة والغبار يتصاعد وراءها.. وتزداد السرعة.. ويرخي الفرسان أعنتهم للخيول..وينتبه الجميع للإشارة الثالثة:- شدوا الخيلوهنا يفهم الفرسان أنهم اقتربوا من خط الوصول، وما عليهم إلا أن يعدوا بنادقهم استعدادا للطلقة الجماعية الواحدة.. وويل لمن يسبق أو يتأخر عن الآخرين، فعقوبته أن يرجع راجلا يجر فرسه وراءه..في هذه اللحظة يلجلج صوت ” صالح بن المعطي ” معلنا عن الاستعداد للطلقة- والمكاحل المكاحل !!فيرفع الفرسان بنادقهم دون التخلي عن الإمساك بالأعنة، منتظرين إشارة القائد صالح الذي يصيح بقوة:- آرو البارودوإذا بالبنادق تتشامخ في الفضاء، وتنطلق منها في لحظة واحدة أصوات انفجار البارود..ثم تعقبها من الفوهات أدخنة بيضاء كثيفة تعلن عن انتهاء الشوط..وتتعالى الهتافات من جديد، وتتصاعد الزغاريد بما فيها الزغرودة المحببة لصالح..وتمتلئ صدور الفرسان فخرا واعتزازا لنجاح ” هجمتهم “.. وتتسارع أصوات الاسنحسان من أفواه الحاضرين بالخيمة الكبيرة- سيروا الله يرضي عليكم- الله يكون منكم الزرع والزريعة- معاكم دعوات السادات الصالحينوتعود المجموعة في خيلاء إلى خط الانطلاق، يتقدمهم ” صالح بن المعطي ” مزهوا وهو يلقي بنظراته وتحياته إلى الحضور الذين تعالت صيحاتهم وتضاعفت نشوتهم.وتستمر اللعبة مرات ومرات..تتخللها الولائم التي أعدها القايد لضيوفه.. والتي لا يستثنى منها ” صالح بن المعطي ” وفرسانه.. خرفان مشوية وكؤوس شاي منعنعة بينما أهازيج الشيخات تنعش الأسماع والقلوب.تتسع ابتسامة ” صالح بن المعطي ” .. وهو يهش ببندقيته محييا.. ويزعجه ثغاء نعجة شاردة فيهش عليها بعصاه..ويتحامل على نقسه ليعيدها إلى القطيع..يلتفت إلى الأفق فيدرك أن وقت المغيب قد حان..وعليه أن يجمع صفوف نعيجاته متجها نحو خيمته الصغيرة..ولا ينسى أن يعيد إدخال يده إلى جرابه ملتمسا بقايا الطعام..فتصطدم يده بورقة رثة.. ويتذكر إنذار القرض الفلاحي الذي عجز عن تسديد ديونه القديمة والمتأخرة. محمـــد فــــري |
الحلم الأزرق
| الحلم الأزرق فرح فرحا شديدا وهو يحملق في الورقة بين يديه، أثاره عنوانها الكبير:” مغادرة طوعية “(1)..طالما حلم بأن ينهي مسيرته العملية بتقاعد مريح، وهاهم المسؤولون قد دبروا هذا الأمر.لقد انتبهوا لوضعيته ووضعية حشود الموظفين.حقيقة أن أجرته قد اشتكت منه كثيرا، ورزحت تحت أثقال الديون التي لم يعرف كيف تراكمت عليه ولا من أي الجهات..لكن..لايهم !..هاهو الفرج قد أقبل..تعويض المغادرة الطوعية سيحل مشاكله كلها، سيؤدي ديونه، ويَفضل قدر لا بأس به سيفكر في كيفية استغلاله.لقد عاش حياته كلها متفانيا في عمله، وفيا لمهمته ومسؤوليته، لم يتذكر يوما أن تأخر عن تلاميذه، كان أسبقهم إلى الفصل..يمسح السبورة غير مبال بغبارها الذي كان سببا في تآكل عينيه.. ومع ذلك لم يشك يوما لأحد..هو جندي مجهول من حملة الطباشير، وكثيرا ما ردد:” سأموت والطباشير بيدي !”، عشق الطباشير إلى درجة العبادة، تفاعل ببياضه ونصاعته، واعتبره سلاحا في ميدان عمله، ووساما ساميا على صدره، على الأقل من خلال لطخاته على ثيابه التي كانت تشتكي منها زوجته، لكنه يعتبرها رمزا للفضيلة والتبجيل..” قم للمعلم وفه التبجيلا “..شعار تستريح نفسه إليه، رغم خبث الخبثاء الذين يحلو لهم أن يغيروا الباء فاء، لكن..لايهم، تكفيه قيمه التي يلقنها لتلاميذه. كم كان يستبد به الحماس في بعض اللحظات، وينطلق صوته مدويا بخطبة وعظية يهيمن رنينها في الفصل، فيصمت التلاميذ، ويحملقون فيه بعيونهم الصغيرة المفتوحة، ولا يهم إن كانت أدمغتهم كذلك.كثيرا ما اشتكت زوجته من سوء الحال، وتحمل بصمود زعيقها المتواصل، لسانها مدفع رشاش سريع الطلقات، وصدره هدف ثابت يتحمل ذلك بصبر وصمت، قنوع بحاله، راض عن وضعه، لا يهمه شيء من ذلك، حتى غمزات بعض زملائه الميسورين لا يكثرت لها، يتقبل تعريضهم ويتحمل افتخارهم بيسرهم وممتلكاتهم..سفهاء جهلة..لا يدركون أن الغنى غنى النفس والروح..و..” لولا أبناء الفقراء لضاع العلم “، ثروته المعرفية تعوضه عن مختلف الثروات..لكن لابأس.. هاهو الفرج يفتح بابه، فرج طوعي تجره المغادرة، ويدفعه الصبر، وما فاز إلا الصابرون.شرح له صديقه بالوزارة كل دقائق وضعيته، وحدد له مقدار التعويض الذي سيناله بعد خصم الرسوم..مقدار فيه الخير والبركة، أمل سيتحقق لامحالة..ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل، الحال سيتحسن بحمد الله..يفكر في مشروع محلبة..يحلو له أن يسميها ملبنة..ريعها وفير، وخيرها كثير، أو مخدع هاتفي أنيق، يجلس بداخله ” حارسا عاما ” يراقب الزبناء، ويبدل أوراقهم النقدية إلى قطع معدنية تلتهمها أجهزة الهاتف بشراهة..الصرف مهنته المفضلة..صرف كل الأفعال..وفي جميع الأزمنة..وهاهو زمنه قد أتى، مرحبا براحة آخر العمر، وما أبهج الحياة بعد الكد والتعب..وإن بعد العسر يسرا..كل التعابير المتفائلة التي استهلكها بالفصل تتزاحم في ذهنه..والمشاريع الآن كثيرة ومختلفة، وما عليه إلا أن يختار ويقرر، ” رأس المال ” آت لاريب فيه، وكن جميلا تر الوجود جميلا..وغرق في ابتسامة عريضة، تحولت إلى ضحكة صاخبة، سرعان ما تطورت إلى قهقهة مدوية..لم يتمالك نفسه طبعا، ولم يكن ليصمد لكل هذا الفرح..ابتسم للحظ يبتسم لك، ومن حقه أن يبتسم ويحلم الآن، هاهو يغوص في حلمه الأزرق..يحب اللون الأزرق كثيرا..لقن تلاميذه رمز الزرقة..سلام وأمل..السماء زرقاء..البحر أزرق..الأوراق البنكية الكبيرة زرقاء..زرقة في زرقة..كل ما يحيط به أصبح أزرق..اختفت كل الألوان..ولم يبق إلا الأزرق..حملق في الأفق، وأمسك بالزرقة، فاكتشف بين يديه بالونة زرقاء، أثاره لونها..أعاده إلى طفولته السعيدة..أغرته هذه ” العودة ” بالتشبث أكثر بالبالونة..أحاطها بأصابعه، أحس باهتزاز يصدر عنها، ولم ينتبه إلا وهي تحلق به عاليا..فيرتفع معها في الهواء..صعود لذيذ يخدر أعصابه، ترتفع البالونة باستمرار، يرتفع معها..فيجاور الطيور في زرقة الأثير.ياسلام !لم يشعر أبدا براحة مثل هذه، تحليق مخدر للأعصاب، يسمو به إلى الملكوت…إلى الأعلى…إلى الحلم..ما أجمل الحلم..صعود..صعود..ما أفظع الحياة في الأسفل !يزداد تمسكه بالبالونة، يخشى أن تنفلت منه،يتشبث بها بقوة.. فــ..تنغرس أظافره في جلدها..تنفجر فجأة، يكتشف نفسه معلقا في الفضاء دون سند..ينظر إلى الأسفل، يكتشف الهوة سحيقة، يغمض عينيه، ويسلم نفسه إلى السقوط..يتهاوى..يسقط..يسقط..يقترب من الأرض..وتكون الصدمة قوية، يرتطم جسده، يتعالى الغبار..يتضبب المكان حوله، تختفي الأشياء، تغيب الزرقة، تغلفها دكنة قاتمة..تتلاشى الدكنة تدريجيا..تتراءى فوقه وجوه تحملق فيه وتحاول مساعدته على النهوض..تفرس فيها، فتبين من بينها جاره الخضار..وبقال الحي..وصاحب البيت الذي يزوره في أول كل شهر..و..وحاول النهوض متهالكا..ثم انتصب واقفا وهو يترنح من الألم..ألم الصدمة..” كل صدمة لا تقتلني تقويني “..ارتاح للفكرة..عزى نفسه بها..فكر في استغلالها موضوعا إنشائيا يحرره تلاميذه غدا !! محمـــد فــــري ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تقاعد اختياري |
أنا والورقة
| وضعت الورقة أمامي.. وقررت أن أكتب قصة..نعم..ولم لا؟..الكل يكتب الآن..فلم لا أدلي بدلوي..وأخوض المعمعة مع الخائضين؟..فلأتحرك إذًا..مادامت الحركة بركة كما يقولون. فكرت أن أمارس طقوسا عند الكتابة كما سمعت كبار الكتاب يفعلون، فقد يساعد ذلك على تدفق الأفكار، وفتح شهية القلم، واسترضاء ربات الإلهام. حملقت في الورقة البيضاء حتى كادت عيناي تنزلقان من محجريهما، ركزت كثيرا مستجمعا كل حواسي وعناصر إدراكي، محاولا استرضاء بنات أفكاري، لكن الورقة ظلت فارغة تتحداني ببياضها، واستعصى القلم وأضرب عن إسعافي..وكأن بينهما عصيانا اتفقا عليه، فأكبرا علي أن أحشر في مصاف الأدباء. غير أنني استنجدت بعنادي، ولم أرضخ لنزوتهما، وصممت على أن أكتب شيئا كيفما كان شكله وجنسه، فالكتابة هي القصد والغاية، وتبا للموضوع،ولأستعن على ذلك بأي شيء، حتى ولوكان تعاويذ وتمائم، فالأسباب كثيرة والغاية واحدة. قذفت شبة وحرملا في الجمر فتصاعد دخان كثيف ملأ الحجرة وغطى أركانها، ثم انقشعت بعض غيومه تدريجيا لتتجلى صورة شيخ معمم ذي لحية شعثاء وعينين ماكرتين.. فخطر ببالي أن أكتب عن المشعوذ الذي تتزاحم أمام بيته أفواج النساء الباحثات عن حلول لمشاكل العنوسة والزواج ..وجموع اليائسين المتشبثين ببلسم أو تعويذة تبعد السوء، وتفتح أبواب الأمل..أعجبتني الفكرة، وراودني مشروع الكتابة عنها، وما أن نويت ذلك حتى أحسست بشرارات تلسع قفاي، واكتشفت أن عيني المشعوذ مصدرها..فأحجمت..وقرأت التعويذة..ثم التمست السلامة من أصحاب الحال والأولياء الصالحين. عزيت نفسي بأن الأفكار كثيرة..والبخور الذي انقشع عن وجه المشعوذ سينقشع عن وجه آخر، وكأني استطلعت الغيب، إذ سرعان ما انكشفت أمامي صورة أخرى، حملقت فيها فإذا بوجه امرأة مثقل بالمساحيق، ترسل عيناها نظرات متحدية، وينطلق من فمها صوت العلكة كالمدفع الرشاش - طقطقطق طرطلق راوغت الطلقات الموجهة إلى مسمعي وخطر ببالي أن أكتب عن الجنس.. والبغاء..وأستلهم سوق المومسات، فهو سوق لا يهدأ أواره، الداخل إليه مفقود، والخارج منه مولود، ولابأس أن أطرز كلامي ببعض التعابير والأوصاف الجنسية المثيرة..فهى مما يذكي الحواس، ويشعل نار الرغبة في النفوس، ويثير فضول القراءة. ارتحت للفكرة، وشمرت عن ساعدي..وتهيأت للكتابة وأنا أستلهم عبارات من الروض العطر وعودة الشيخ إلى صباه..واعتقدت أن كتابتي ستنافس حبوب الفياجرا..وأشرطة البورنو العتيدة..وتخيلت الشهرة ساعية نحوي تختال كغادة مفتوحة الذراعين..لكنني ما أن استسلمت لهذه التداعيات الشهوانية حتى تصاعدت النجوم تتراقص أمام عيني..وشعرت بألم اكتشفت أن مصدره صفعة ” ناعمة ” نزلت على قفاي من حيث لا أحتسب..والتفت لأفاجأ بالمرأة المومس ترعد وتبرق، والشرر يتطاير من عينيها، وقد اختلطت حمرته بلون شفتيها.. فأمسكت بتلابيبي محتجة عن استيحائي منها دون مقابل، مهددة إياي بالويل والثبور إن أنا أضفت كلمة واحدة أخرى من دون مراعاة حقوق المؤلفة الممارسة. رفعت الراية البيضاء، وقبلت الأعتاب مسترضيا ومعلنا الطاعة والولاء..ولم أنس أن أتمتم ببعض الأبيات الغزلية، العذرية منها والإباحية ..إلى أن هدأت المرأة، وتلاشت صورتها مع الدخان، فتنفست الصعداء، وحمدت الله على النجاة. عدت صاغرا إلى ورقتي البيضاء، فاستقبلتني بابتسامة ساخرة متشفية، فغاظني مكرها، وهمني عنادها، وقلت: سأقاوم حتى النهاية..وإنها لثورة حتى ينتشر السواد في عقر البياض.استلهمت الجمر.. وسلمت الأمر لأهل المكان..واستعطفت البخور عله يطلع بوجوه أخرى تكون فاتحة خير وبركة، وفعلا تراقصت أمامي سحنـات كثيرة، تبينت منها سحنة ” الكاتـب النحرير” ذي القلم الخطير..ثم سحنة رجـل الأعمــال ” الحاج القوالبي ” صاحب الصولات والجولات..والسيارات الفارهة والفيلات..وتلت ذلك ملامح ” زعيم الحزب ” اللعوب..العارف بأسرار تكديس الجيوب..وحمدت الله على هذا الوحي الكثير..والغنم الوفير..وعولت على استلهام فصاحة هؤلاء..أطعم بها فراغات الصفحة البيضاء..وما أن شرعت في اقتناص هذه الشذرات..حتى تناهى إلى سمعي ضجيج جوقة موسيقية عم صداها المكان..ليظهر” رجل البرلمان “، في زفة منقطعة النظير..يوزع الوعود مشفوعة بالابتسامات والنظرات الواعدات..وأتباعه وراءه يجرون ثورا سمينا سيكون مأدبة سخية لمن يبيع الأصوات في حملة الانتخابات.. وهكذا تتالت الوجوه المختلفة..وأيقنت أن زمام الإلهام قد انقاد للقلم..ولن تملك الورقة اللعينة إلا الاستسلام..فغمرتني فرحة عارمة..وعلمت أن الظباء قد تكاثرت على خراش..وما عليه إلا أن يختار ما يصيد..فالحمد لله على هذه الثروة الوفيرة من المواضيع الكثيرة الصالحة للكتابة والضامنة للنشر والانتشار.. لويت عنق القلم..وعصرت رأسه على الورقة منتصرا..أتوعدها بفض بكارتها..وتسويد فضاءاتها..غير أن ما لم يكن في الحسبان..ولم يخطر على الأذهان..هو أنه في اللحظة ذاتها..سمعت هرجا ومرجا.. وضجيجا يكاد يصم الآذان فالتفت هنا وهناك.. وإذا بالوجوه أراها متربصة..تشع من عيونها نوايا غير بريئة..فأيقنت أن السلامة في صحة الأقدام..وهربت ناجيا بجلدي لا أكاد ألوي على شيء..ملتمسا النجدة والغوث..بينما قهقهات متحدية ماكرة..تصلني وتلتصق بسمعي..فالتفت.. لأكتشف ورقة ظل بياضها ناصعا مشعا..يخطف الأبصار..ويعمي العيون !! محمــد فــري |
بـــــادريس
| أحسن لحظاته عندما يسترجع زمنه بالجيش الفرنسي، يتكئ بمرفقه على صناديقه المليئة بالخضر، وينظر إليك صامتا، مركزا عينيه في عينيك في محاولة لدعوتك إلى الانتباه، ينطلق من تاريخ يحدده بدقة، ليسترسل في سرد لا ينضب، فتتصوره وثيقة متعددة الصفحات….” ….في 1942 ( ينطق الرقم بالفرنسية )، كنا بالجبهة الشرقية، حملنا البنادق وجرينا نحو الخندق، الرصاص يتهاطل بجانبنا مثل البلوط..والألمان بالجهة المقابلة على بعد أمتار قليلة..كانوا رجالا..ولم نكن ننقصهم رجولة..الرصاص كالذباب..نسدد بدورنا..نضغط على الزناد..يتساقط الجنود هنا وهناك….”وتتضخم صورته داخل ذهني الصغير وأنا أتابع حكايته التي لا يقطع استرسالها إلا زبون أو زبونة، فيبادر إلى الميزان ليملأ كفته بكيلو بطاطس أو طماطم أو بصل، ثم يضع ذلك في كيس من الورق يلفه بعناية ويقدمه لصاحبه ليعود متابعا حديثه.لم يكن يكسب الكثير من بضاعته، فأغلب الزبناء يعيشون حياة متواضعة، يسكنون حيا يطلق عليه ” الدور الجدد ” ، سمعت أنها بنيت عوض دور الصفيح والبراريك التي أحرقها الفرنسيون في عهد تواجدهم، بدعوى القضاء على مخابئ سلاح الفدائيين. الدور مقسمة إلى مجموعات رمز إليها بحروف لاتينية، كل مجموعة قسمت بدورها إلى أزقة مرقمة، اصطفت على جانبيها منازل ضيقة حشرت فيها عائلات متعددة الأفراد.أغلب السكان من قدماء المحاربين المتقاعدين الذين دفع بهم للمشاركة في الحرب العالمية والحرب الهند الصينية، يتحلقون كل شهر أمام مكتب بريد الحي لاستلام معاشا ت لاتكاد تسد حاجياتهم الضرورية، فيلجأ بعضهم إلى ترقيع الشهر ببيع الخضر والنعناع أو الزعبول أمام الدكاكين المتواجدة بالبناية العالية المتوسطة للحي والتي أطلق عليها ” الدار العالية “..ربما هو اسم استوحاه سكان الحي مقارنة مع منازلهم ذات الجدران القصيرة.أما الأخرون وهم الأغلبية، فيقضون نهارهم في مباريات رقعة الضامة، يتحلقون في مجموعات ويشرعون في تحريك البيادق في اتجاهات مدروسة ترافقها تعليقات ذكية لا يتقنها سوى المهرة من اللاعبين:- ” طيح في الواد !- ” انفخ المنطيح قبل ما ينشفو رجليه ! ”- ” ها واحد ضامة ! ”- ” كلينا هذا…”ويبلغ الحماس أوجه عندما يراهن اللاعبون على تعليق أشياء غريبة برأس المغلوب، أو أمره بالابتعاد من الرقعة شبرا كلما انهزم في شوط ، فيصبح المنظر مضحكا أحيانا عندما يتكرر انهزام أحد اللاعبين، “ويحكم” عليه بالابتعاد مسافة كبيرة يضطر معها إلى الانبطاح أرضا ومد أصابعه بمشقة إلى الرقعة لتحريك البيادق طامعا في كسب شوط يقربه إلى الرقعة ويخفف المعاناة.كانت الرقعة بالنسبة لأغلبهم رمزا لحروب وهمية تجسد معاركهم الماضية التي خرج أغلبهم منها بأعطاب وإعاقات مختلفة..ولم يكن با دريس يلعب الضامة، ربما كان يرى في ذلك انتقاصا من وقاره ورزانته، وقار أذكر أنه لم يفارقه رغم تحرش بعض الزبونات، تأتي إحداهن فتجادله في ثمن الجزر، وتحمل منه قطعة بحركة موحية خليعة وهي تساومه ثمن الكيلو..فيرد في غير مبالاة:- ” الهم طلع في الراس ”وينشغل بتحضير الطلب ولفه بسرعة في الكيس معلنا بذلك عن انتهاء كل كلام.كان الزبناء قليلين، وأغلبهم لا يؤدي إلا في آخر الشهر، وكانت الأرقام تتكدس في دفتر ديون با دريس، لايكاد يمحى بعضها حتى يتجدد غيرها بسرعة..وهو مضطر إلى ذلك وإلا بقيت بضاعته مكدسة في صناديقها معرضة للتعفن، وقد ينتظر طويلا إلى أن يأتي زبون بين الحين والحين، فيجلس على صندوقه الخشبي، ويجعل من الجلسة استراحة يستغلها كعادته في سرد بطولات غابرة يعصف به الحنين إليها….” …. كان ذلك سنة 1952،..وكنا بالهند الصينية، الأدغال كثيفة، والجنود لايتميزون عن أوراق الشجر.. شياطين حقا..يتنقلون كالزئبق..الرطوبة وحرارة الطقس..ولم يغلبنا إلا البعوض الذي لا يشبه بعوضنا..هو بحجم الليمونة أو أكثر..”- ” وكيف يستطيع الطيران آ با دريس؟ ”ويتجاهل السؤال المتعمد مستمرا في خلطه بين الكوريين والصينيين..وبين البعوض والخفافيش.ويتابعه الحاضرون بشغف، ولم أكن أقل منهم شغفا أو حماسا..ما أن يبدأ حديثه حتى يرين الصمت، فتحملق العيون، وتصغي الآذان، وتنفغر الأفواه، وينشد الجميع إلى با دريس وهو يخطر في لباسه الكاكي القديم، يشمخ بقامته الفارغة، مرفقا حديثه بحركات توضيحية تشخص امتشاق بندقية أو إلقاء قنبلة….” …. القاذفات تتساقط من كل جانب، والانفجارات تشتت الرمال وتترك حفرا عميقة، ومشاة الجبهة يتقدمون غير عابئين بالرصاص، العدو مقصدهم..ومواجهته مطلبهم، وعند المواجهة تبدأ حرب البايونيط..فتتحول البنادق إلى حراب حادة..وتسيل الدماء كالأنهار….”ويمسك با دريس بعصا المكنسة ويوجه ضربات محسوبة في الهواء مواجها أعداء وهميين..فأخاله يحارب الكفار .. يشتت شملهم ويضعضع صفوفهم.كنت أكره كل من ينتقص من با دريس، ولم أكن أحب زوجته السليطة اللسان، والتي تأتي كل مساء تنبهه إلى تأخره عن البيت..وغالبا ما كانت تأتي في لحظات يكون فيها منسجما مع حكاياته، فتقطع كلامه غير مبالية بسامعيه الذين يخفون تذمرهم، ولم يكن يملك با دريس إلا الإذعان لأمر زوجته، فيجمع صناديق الخضر في زاوية معينة، ويغطيها بقطع من الخيش، ولا ينسى أن يوصي الحارس الليل خيرا بالبضاعة، ثم ينطلق مع زوجته نحو البيت إلى أن تبتلعهما الظلمة..فأشعر بامتعاض شديد يتضاعف بداخلي وأنا أسمع تعليقات والدي صاحب الدكان المقابل لصناديق الخضر، عندما يلمح مع أصدقائه إلى استسلام با دريس لأوامر ” الهيئة العليا “. لكن هذا الشعور يغيب عني ويندثر كل صباح وأنا ألمح با دريس يرتب صناديقه من جديد في حيوية ونشاط متقمصا شخصية الفارس صاحب البطولات الأسطورية.وحدث ذات يوم أن احتاجت الحكومة إلى استنفار قدماء المحاربين، قيل آنذاك إن خصاما حدث مع الجارة حول قطع من الرمال، وتوصل أغلب المحاربين المتقاعدين باستدعاءات من أجل الفحص الطبي، وتسلم با دريس استدعاءه بدوره، وأطلع الجميع عليه وهو في نشوة عارمة، متناسيا ثقل سنواته التي تجاوزت الستين، وتخيلته صغر أكثرمن عشرين سنة وهو يتلهف لاجتياز الفحص، ويتشوق إلى ارتداء بذلة كاكية جديدة يستبدل بها بذلته القديمة التي ورثها عن الجيش الفرنسي.شعر أنهم يهتمون به من جديد، وأنهم يعيدون إليه اعتباره..وأتى اليوم الموعود، وأظهر با دريس ذاك الصباح نشاطا غير معتاد..جذب أنفاسا من لفافة تبغه الأسود، وتأمل الاستدعاء من جديد وكأنه لا يصدق عينيه، ثم ودع الحاضرين، ودعا له هؤلاء وهم يشيعونه إلى مركز الفحص رفقة أصدقائه..في المساء لم يأت با دريس، وتساءل عنه الكبار، وانتظرناه نحن الصغار، وظلت صناديق الخضر مغطاة بقطع الخيش، ولم تأت زوجته ذاك المساء.وفي الصباح لم يستيقظ با دريس مبكرا كعادته، ومرت ساعات الصباح الأولى ثقيلة دون أن يظهر.. ثم رأيناه من بعيد يجر خطوات متثاقلة، وتخيلته لأول مرة أقصر من قامته المعهودة، ولم يسلم علينا بحيوية كعادته، بل اكتفى بترتيب الصناديق في فتور واضح..ومنذ ذلك اليوم قل كلامه.. ولم يعد يهتم بحكاياه. محمــــد فـــــري |
03 فبراير 2006
أرضة رقمية
جلس أمام شاشة الحاسوب .. حملق بعينيه متابعا ما تحركه " الفأرة " بيده .. ثم انطلق يسبح في مواقع ألف التجوال فيها .. كان أحبها إلى قلبه تلك التي تهتم بالكتابة الأدبية.
هو " كاتب ".. لقب يحبه كثيرا .. ويحب أن يناديه الآخرون به .. خصوصا وقد عُرف بمناوشاته التي يكشر فيها عن أنيابه ومخالبه .. والويل لمن اعترض طريقه .. فلسانه الكاسح جرافة تغرف كل شيء .. وبحره لا تكدره الدلاء.
يعرفه كل أعضاء المنتديات .. فهو الكاتب النحرير الذي لا يشق له غبار.. والمتدخل في الصغيرة والكبيرة .. يخلق من الحبة قبة .. ويثير الجعجعة دون طحن .. يهمه أن يتضخم المأتم حتى ولو كان الميت فأرا..
أمسك الفأرة بيده .. واشرأب باحثا عن قضية ساخنة بين الأعضاء.. يحشر أنفه فيها ويستعرض قواميس الهجاء .. لا يبالي أن يتحول النقاش إلى سب وشتم رغم انطلاقه من أرضية أدبية.
ومع ذلك فهو " كاتب " ذو قلب كبير .. يحاول أن يجعله مرهفا حساسا .. لأن تلك شيمة الأدباء الكبار الصادقين .. وهو كبير وصادق .. عطوف حنون .. تفيض مشاعره أثناء معاركه التي يعتبرها أدبية .. ويجعلها نقائض " يدافع " فيها عن المغبونين والمظلومين .. غايته إعادة الحق إلى أصحابه .. والأمور إلى نصابها .. معتمدا لغة قاسية منزاحة .. فالانزياح مباح للأدباء .. والشطحات من شيم الكبار.
قلبه مرهف إذن .. وتتضخم هذه الرهافة بالخصوص في المناوشات التي تنحشر فيها الكاتبات من النساء .. فهو يحب النساء الكاتبات .. ويستلذ محاورتهن .. ويغرف من حنانه فيغذق عليهن ..قلبه الكبير يتسع لهن جميعا .. وهن يعرفن ذلك عنه .. فردوده وتعقيباته عليهن تكاد تكون شعرا .. بل هي شعر يفيض عطفا وحنانا...
لكنه في هذه المرة . يركز حنانه وعطفه على واحدة دون غيرها .. تثيره بكتاباتها الأفعوانية .. فتلحس عقله ويفقد صوابه .. لذا أصبح مدمنا على ترصدها .. يتبعها في جميع المواقع .. يطل محملقا في الشاشة منتظرا إطلالتها.. ليرد عليها .. ويعانق خواطرها بخواطره .. ومشاعرها بمشاعره .. لذة متناهية يحسها .. متعة كبرى يشعر بها..
يتماهى به خياله فيراها مطلة عليه بوجهها ذي الملامح الضوئية .. ينبهر بالوجه .. تجحظ عيناه .. يبلع ريقه .. يزداد الوجه تضخما على الشاشة أمامه.. لم يعد يبصر غيره .. تبخرت كل الوجوه الأخرى .. اختفى الأعضاء .. أصبح منفردا مع صاحبة الوجه ..
ازداد الوجه ظهورا .. خرج من الشاشة في نزق .. ملأ الغرفة كلها .. غاص في الوجه .. توحد معه .. أصبحا وجها واحدا .. فجأة يحس بحركة غريبة تحدث بالوجه الملتصق به .. يتغير .. يصيبه المسخ .. تغور العينان .. يختفي الأنف .. ينكمش الفم .. يختفي الضوء .. يتضبب المكان .. ليعود الضوء تدريجيا .. يختفي الوجه .. يتحول إلى فيروس .. أرضة رقمية .. شكل غريب .. مخلوق لا شكل له .. كثلة مبهمة غريبة .. تجحظ عيناه بشكل مختلف عن السابق .. يصيبه الهلع .. يحاول أن يصيح .. تقترب منه الكثلة .. ينشف ريقه .. تفتح الكثلة ثقبا عميقا كالفم .. تبتلعه .. يصيح داخل الكثلة بصوت مختنق:
- فيروس .. أرضة .. فيروس .. أرضة .. فير...فيـ .. ففــ....
يخفت الصوت .. يختفي الكاتب !!
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
